رياض سلامة في ثلاثة عقود : نظرة شاملة على السياسات الكارثية لمصرف لبنان ؟

لا يتحمّل حاكم مصرف لبنان، وحده، المسؤولية عن «كوارث» السياسة النقدية، مع أنه المسؤول الأول عنها. لوزارة المالية حق الرقابة وواجبها على سياسة المصرف المركزي. تمارس وزارة المالية رقابتها على المصرف المركزي عبر مفوّض المراقبة، وعبر مدير عام وزارة المالية في المجلس المركزي للمصرف، كما عبر واجب حاكم مصرف لبنان رفع الموازنة السنوية للمصرف إلى وزير المالية، وحق وزير المالية في الرقابة اليومية على عمليات القطع لدى المصرف المركزي. كما لمجلس النواب حق وواجب الرقابة على سياسة المصرف المركزي وأعماله.
أما استقلالية مصرف لبنان، فهي نسبية ومحصورة في النطاق المهني، وهي سقطت مراراً على أكثر من صعيد: حين أجبرت حكومة الرئيس رشيد كرامي مصرف لبنان على شراء سندات الخزينة بفوائد تقلّ كثيراً عن معدّلات التضخّم (حُدِّدت الفائدة بـ20%، حين كان معدّل التضخّم يزيد عن 80%)، حين لم تكتتب المصارف بالمبالغ التي تحتاجها الخزينة. وسقطت هذه الاستقلالية والحصانة عندما دفع الرئيس رفيق الحريري، حال وصوله إلى السلطة عام 1992، حاكمية المصرف إلى الاستقالة، ليأتي بفريقه الخاص إلى حاكمية المصرف؛ وكان على رأس هذا الفريق مدير المحفظة الاستثمارية الخاصة لرفيق الحريري في مؤسسة التوظيف المالي «ميريل لينش»، رياض سلامة.
تصبح إقالة حاكم مصرف لبنان من منصبه «واجباً» عندما يخلّ بواجباته التي حدّدها قانون النقد والتسليف بشكل واضح. تنكّر حاكم مصرف لبنان لواجباته، وتجاوزها إلى سياساتٍ وأعمال لا علاقة للمصرف المركزي بها. لذلك، لا بد من محاسبته ومحاكمته، وإنزال أشدّ العقوبات بحقه، رغم ما يتمتّع به من «حصانة» أميركية.
تنصّ المادة 70 من قانون النقد والتسليف على الآتي:
«مهمة مصرف لبنان العامة هي المحافظة على النقد لتأمين أساس نموّ اقتصادي اجتماعي دائم. وتنصّ مهمة المصرف بشكل خاص ما يلي:
ـ «المحافظة على سلامة النقد اللبناني
ـ المحافظة على الاستقرار الاقتصادي
ـ المحافظة على سلامة أوضاع النظام المصرفي.
ـ تطوير السوق النقدية والمالية»
كما تنصّ المادة 72 على الآتي:
«على المصرف أن يقترح على الحكومة التدابير التي يرى أنّ من شأنها التأثير المفيد على ميزان المدفوعات وحركة الأسعار والمالية العامة، وعلى النمو الاقتصادي بصورةٍ عامة… يُطلع المصرف الحكومة على الأمور التي يعتبرها مضرّة بالاقتصاد والنقد».
كما يشدّد قانون النقد والتسليف على دور المصرف في القيام بدراساتٍ اقتصادية، ويفرض على الدوائر الحكومية ومؤسسات القطاع العام ومؤسسات القطاع المشترك تقديم ما يحتاج إليه من إحصاءات ومعلومات، كما تنصّ المادة 73 من قانون النقد والتسليف.
ينصّ قانون النقد والتسليف في «القسم الثالث» منه على إنشاء لجنة استشارية من ستة أعضاء، «أربعة يُختارون بالنظر إلى خبراتهم في الحقول المصرفية والتجارية والصناعية والزراعية، ويُختار واحد من مجلس الإنماء والإعمار، والسادس من أساتذة الاقتصاد الجامعيين، من الجنسية اللبنانية». إنّ تكوين هذه اللجنة يدلّ على شمولية مهمة مصرف لبنان، أو على الأقلّ على تساند قطاعات الاقتصاد وترابطها، وإعطاء السياسة النقدية أبعادها الشاملة، الاقتصادية والاجتماعية. فما الذي حقّقه مصرف لبنان، طيلة 27 عاماً من تحكّم رياض سلامة، في إطار المهمّات التي حدّدها قانون النقد والتسليف؟

كتب | غالب أبو مصلح - أبجد

سياسة الفوائد، أو «كلفة الأموال»
كان من المتوقّع، من أجل تحقيق «نمو اقتصادي واجتماعي دائم»، وبعد سنوات عجاف طوال، أن يخفّض مصرف لبنان الفائدة الحقيقية (معدّل الفائدة الجارية ناقص معدّل التضخّم) إلى حوالي الصفر، كما يقول علم الاقتصاد، وأن لا يتعدّى الفرق بين الفائدتين الدائنة والمدينة 1%. ترفع المصارف المركزية في العالم الفائدة الحقيقية إلى حوالي 4% إذا استهدفت كبح معدّلات التضخّم؛ وتخفّضها إلى حوالي الصفر إذا استهدفت رفع معدّلات نمو الناتج المحلي القائم. إنّ خفض الفائدة الحقيقية على التسليف يشجّع على التوظيف المنتج في قطاعات الإنتاج الحقيقي، ويرفع معدّل المردود الصافي لتوظيف الأموال المقترَضة من السوق المالية.
كان لبنان، سنة 1993، يعاني كثيراً من تفشّي البطالة وتوسّع نطاق الفقر ودمار مؤسسات الإنتاج والبنى التحتية. كان بأمسّ الحاجة إلى سياساتٍ نقديةٍ تنموية، إلى تشجيع ورفع معدّلات الإدّخار، وخفض معدّلات الفائدة الحقيقية على التمويل إلى حدود الصفر. لكن حاكم مصرف لبنان (مع ربط سعر صرف الليرة بالدولار وكبح معدلات التضخّم) رفع الفائدة الحقيقية على الاقتراض إلى حوالي 18%، بينما المردود المتوقَّع على التوظيف المنتج في قطاعات الإنتاج السلعي لا يتعدّى 6% في أحسن الأحوال. بذلك، طُرِدت قطاعات الإنتاج الحقيقي من السوق المالية اللبنانية.
مَن الذي يحدّد معدّلات الفائدة في سوقٍ ماليةٍ حرّة؟ إنّ عاملَي العرض والطلب يحدّدان معدلات الفوائد في سوقٍ حرّةٍ منافسة. وبما أنّ المصرف المركزي هو الذي يخلق الأموال ويضخّ السيولة ويحدّد معدلات السيولة المطلوبة، وهو الملاذ الأخير للمصارف للاقتراض بالعملة اللبنانية، ويحدّد فائدة «الحسم وإعادة الشراء»؛ فهو الذي يتحكّم بمعدلات الفائدة بالليرة. ومع ربط سعر صرف الليرة بالدولار، فالمصرف المركزي يتحكّم أيضاً بفائدة الإقراض بالدولار، مع حرّية صرف الليرة بالعملات الأجنبية. لكن ما حدث في السوق المالية اللبنانية كان أمراً آخر. كانت معدلات الفائدة على سندات الخزينة، والمرتفعة بشكل مفتعل، تشكّل العمود الفقري لهيكليّة الفوائد في السوق المالية اللبنانية. ألغى ثالوث جمعية المصارف – مصرف لبنان – وزارة المالية دور «السوق» في تحديد معدلات الفائدة بالليرة، كما بالدولار، على الودائع والتسليف. شكّلت جمعية المصارف، والتي لا مثيل لها في دول العالم الرأسمالي، بنيةً احتكاريةً كبيرة، ألغت دور المنافسة بين المصارف في تحديد معدلات الفائدة؛ وأصبحت هذه الجمعية تحدّد معدلات الفائدة، الدائنة والمدينة، بالليرة كما بالدولار، عبر تعاميم علنية للمصارف التجارية، مع إعطاء المصارف حق رفع معدلات الفائدة المدينة على الليرة والدولار ببضع نقاطٍ مئوية، ورفعها على الودائع الكبيرة ببضع نقاطٍ مئوية أيضاً، إضافةً إلى ما تحدّده تعاميم الجمعية. أما الفوائد على سندات الخزينة، فلا يتمّ تحديدها بعروض «مزايدات» من المصارف، مقابل معدّلات متصاعدة من الفوائد، بل يتمّ التوافق على معدلات الفوائد للإصدارات المتفاوتة الأجل لسندات الخزينة بين جمعية المصارف ووزارة المال وحاكم مصرف لبنان، وبسرّية تامة. لجمعية المصارف السطوة والسيطرة على هذا الثالوث، لأسبابٍ «اقتصادية» وسياسية، داخلية وخارجية. بالتالي، كان يتمّ تحديد معدّلات الفائدة لمصلحة المصارف ولزيادة ربحيّتها، على حساب مصالح سائر قطاعات الاقتصاد، كما على حساب المالية العامة ومستوى معيشة الجمهور.
يتذرّع مصرف لبنان بالحاجة إلى تدفّقاتٍ خارجيةٍ بالقطع الأجنبي لرفع معدّلات الفائدة على الدولار بشكلٍ خاص. لكن استقطاب هذه الأموال، في ظلّ معدلات الفوائد الحقيقية المرتفعة، يستقطب الأموال الساخنة القصيرة الأجل، الصالحة لتمويلٍ قصير الأجل أيضاً، في المضاربات وتمويل التجارة، حيث دورة رؤوس الأموال لا تتعدّى عادةً ثلاثة أشهر. لهذه الأموال قصيرة الأجل والمتدنّية الكلفة في الخارج القدرة على تمويل الإستهلاك العام والخاص. لذلك، نما الدَّين العام بمعدلات كبيرة جداً، وشهد لبنان تدفّقاتٍ ماليةٍ كبيرة بالدولار. وارتفعت القروض للأفراد من 2% من مجمل إقراض المصارف، عند بداية الألفية الثالثة، إلى 29% من إقراض المصارف سنة 2018؛ كما ارتفع عجز حساب المدفوعات الجاري إلى أكثر من 20% من الناتج المحلي القائم، وانخفضت معدلات الإدّخار إلى ما دون الصفر، بل إلى حوالي -10% (ناقص عشرة بالمئة)، كما يقدّر البعض. تقرّر معدلات الإدّخار، على المديين المتوسّط والطويل، معدلات التوظيف، والتي تقرّر بدورها معدّلات نمو الناتج المحلي. باختصارٍ شديد، إنّ سياسة الفوائد التي اتّبعها مصرف لبنان منذ سنة 1993 كانت لمصلحة المصارف والأثرياء، وضدّ مصالح قطاعات الإنتاج الحقيقي، وأيضاً ضدّ مصالح الخزينة اللبنانية وجمهور المواطنين. ساعدت هذه السياسة في تقويض مقوّمات الاقتصاد الوطني، وساهمت في دفع لبنان إلى فخّ المديونية وأحضان صندوق النقد الدولي ومشروطيّاته؛ وتسبّبت هذه السياسة في انهيار بنية قطاع المال، في نهاية المطاف. يتحمّل حاكم مصرف لبنان المسؤولية الأولى عن كلّ ذلك.

ارتفاع سعر الصرف الحقيقي لليرة
خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية كقوة اقتصادية هائلة. قُدِّر ناتجها القومي بما يقارب 45% من الناتج العالمي. مكّن هذا الواقع الولايات المتحدة من تنصيب عملتها، الدولار، كعملةٍ عالمية، ومكّنها من إعادة بناء النظام الرأسمالي العالمي ومؤسساته المالية والاقتصادية والتجارية لتكون تحت سيطرتها، ولخدمة مصالحها الاقتصادية والسياسية. استُبدِل نظام النقد العائم الذي ساد في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية بنظام سعر الصرف الثابت للعملات، عبر ربط الأخير بالدولار، وربط الدولار بسعرٍ ثابتٍ بالذهب، الثابتة قيمته عبر التاريخ. جمعت الولايات المتحدة بذلك معظم ذهب العالم لديها. أخذ ميزان المدفوعات الجاري الأميركي في تحقيق عجوزاتٍ كبيرة منذ أواسط ستّينات القرن الماضي. نتيجة امتيازاتها المالية، استطاعت الولايات المتحدة سدّ عجز ميزان مدفوعاتها بعملتها الخاصة. بذلك، تراكمت لدى دول العالم كمّيات هائلة من الدولارات، بلغت أكثر من أربعة أضعاف ما تجمّع لدى الولايات المتحدة من الذهب. اتّضح خطر هذا الواقع على قيمة مدّخرات العديد من دول العالم عندما بدأت فرنسا ديغول باستبدال الدولارات التي لديها بالذهب من الولايات المتحدة. في سنة 1972، نتيجة عجز الولايات المتحدة عن تلبية طلبات استبدال الدولارات بالذهب، نكثت واشنطن بتعهّداتها لدول العالم، ورفضت الاستمرار باستبدال الدولار بالذهب بسعرٍ ثابت. بذلك، نقلت الولايات المتحدة نظام النقد العالمي من السعر الثابت إلى السعر العائم للعملات، وأصبح عاملَي العرض والطلب يحدّدان سعر صرف العملات كافة.
إنّ ربط سعر صرف الليرة بالدولار الأميركي، المتغيّر سعر صرفه نسبةً لعملات معظم دول العالم، لم يعنِ تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية، كما يقول حاكم مصرف لبنان، بل يعني تبدّل سعر الصرف الحقيقي لليرة مع تبدّل سعر الصرف الحقيقي للدولار في أسواق العالم. إنّ تثبيث سعر صرف عملةٍ ما يعني تثبيت قدرتها الشرائية والتسويقية مع شركائها التجاريين. يعني ذلك ربط سعر صرف هذه العملة بسلّةٍ من عملات الشركاء التجاريين للدولة المعنية، وتثقيل عملات هؤلاء الشركاء بنسبة تجارتهم مع عملة البلد المعني. فالقول إنّ حاكم مصرف لبنان ثبّت سعر صرف الليرة عبر ربطه بالدولار منذ سنة 1993، هو قولٌ مخادع، فيه تضليلٌ كبير. يعني هذا الربط تبعيّة السياسة النقدية لمصرف لبنان، ولو جزئياً، للسلطة النقدية الأميركية، والتي تحدّدها المصالح الاقتصادية والمالية والسياسية للولايات المتحدة. إنّ مصالح الولايات المتحدة هذه لا تتطابق مع مصالح لبنان، بل ربما تتناقض معها.
تخفّض دول العالم سعر الصرف الحقيقي لعملاتها إذا كان ميزان مدفوعاتها يعاني من عجزٍ كبير. إنّ تخفيض سعر الصرف الحقيقي للعملة يرفع من قدرتها التنافسية، فينمّي الصادرات ويخفّض الواردات غير الضرورية، والتي تتوفّر بدائل محلية لها. لا تسمح الدول عادةً، حتى تلك التي لديها فائضٌ كبير في ميزان مدفوعاتها، برفع سعر الصرف الحقيقي لعملتها لأكثر من نقاطٍ معدودة، لا تتجاوز خمس نقاطٍ مئوية، إذا لم تكن مرغمة على ذلك، كما كان حال اليابان وألمانيا في سبعينات القرن الماضي وحتى الألفية الثالثة. لكن مصرف لبنان، بقيادة رياض سلامة، سمح برفع سعر صرف الليرة خلال تسعينات القرن الماضي بنسبةٍ تقارب 100%، أيّ أنه سمح بمضاعفة سعر الصرف الحقيقي لليرة، حسب دراسةٍ أجراها خبراء لبنانيون في صندوق النقد الدولي. وأظهرت دراسة لسعر الصرف الحقيقي لليرة منذ مطلع عام 1993 وحتى عام 1998 ارتفاعاً بنسبة 73%. أدّى هذا الارتفاع الهائل في سعر الصرف الحقيقي لليرة إلى تفاقم عجز الميزان التجاري وعجز ميزان المدفوعات. تمّ استبدال الإنتاج المحلي بالمستوردات الزراعية والصناعية، حيث دُمِّرت صناعات الجلود والنسيج والمفروشات بشكلٍ خاص، كما أُغرِقت السوق اللبنانية بالإنتاج الزراعي الأوروبي المدعوم بنسبة 35% كمعدّل وسطي، والذي يدخل السوق اللبنانية برسوم جمركية لا تتعدّى الـ 5%.
كان للسياسة الكارثية في إدارة سعر صرف الليرة أن دفعت بالعديد من الصناعات اللبنانية إلى الدمار، فأفلست المؤسسات ووُرش الإنتاج الصغيرة، بينما رحلت مصانع كبيرة نسبياً ومتوسطة الحجم إلى مصر وجبل علي بشكلٍ خاص. كما أدّت هذه السياسة إلى ارتفاع كلفة الإنتاج الزراعي وفقدان قدرة الصادرات الزراعية على المنافسة في سوق الصادرات الخليجية والعربية، كما في السوق المحلية. أدّى ذلك إلى تقلّص المساحات المزروعة في لبنان إلى أقلّ من ثلث الأراضي الصالحة للزراعة، وإلى هجراتٍ كثيفة من الريف إلى أحزمة الفقر حول المدن، وإلى ارتفاع معدلات الفقر والفقر المدقع والبطالة، خاصةً في المناطق الريفية، مثل عكار والهرمل وبعلبك والنبطية، كما تدلّ بعض الإحصاءات. أدّت هذه السياسات إلى انخفاض حصّة القوى العاملة من الناتج المحلي، أو من القيمة المضافة، من حوالي 64% في سبعينات القرن الماضي، إلى أقلّ من 22% في سنة 2019، وإلى أقلّ من 10% اليوم، نتيجة انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية وثبات الأجور بالسعر الجاري لليرة. إنّ حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، يتحمّل المسؤولية الأولى عن هذه السياسات الكارثية وآثارها الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، ويجب محاكمته على ذلك.

أزمة الاقتصاد اللبناني: الواقع والحلول - غالب أبو مصلح - Google Books

تخلّف السوق المالية اللبنانية
لم يعمل مصرف لبنان برئاسة رياض سلامة، جدّياً، على تطوير السوق المالية اللبنانية، التي تقتصر في بنية مؤسّساتها الفاعلة على المصارف التجارية، دون غيرها من أنواع المصارف الأربعة. فبنوك التوظيف المالي التي تملكها بعض المصارف تعمل فقط على تهريب بعض ودائع البنوك التجارية من الاحتياطي الإلزامي. كما لم تعمل حاكمية مصرف لبنان على إعادة بناء السوق المالية (البورصة) على أسس حديثة. لم يعمل مصرف لبنان على إعادة إحياء المصارف المتخصّصة التي انبثقت في أواخر الستّينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي، تلبيةً لحاجات الاقتصاد اللبناني من مؤسسات الاقتراض المتخصّص، المتوسّط والطويل الأجل، التي تحتاجه مؤسسات الإنتاج الحقيقي. بل مُنِعت هذه المصارف المتخصّصة، منذ ولادتها، من تلقّي الودائع التي تقلّ آجالها عن 4 سنوات. كان معدّل آجال الودائع في لبنان 40 يوماً فقط، أيّ أنّ هذه المصارف وُلِدت ميتة، وبرأسمال مشترك من المصارف والقطاع العام، أُجبرت المصارف على المساهمة به. أُفلِست هذه المصارف في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي، نتيجة سياسات الإقراض المتّبعة فيها: الإقراض بالليرة اللبنانية، دون التحوّط لمخاطر تدهور سعر الصرف، وبفوائد ثابتة، دون التحوّط لإمكانية ارتفاع معدّلات التضخّم؛ بالتالي، لم يكن ثمة معدّل فائدة حقيقية ثابتة أو شبه ثابتة على الإقراض، يمكّن المصارف من الحفاظ على رأسمالها. إنّ اهيار سعر صرف الليرة في الثمانينات، والارتفاع الكبير في معدلات التضخّم، حوّلا إقراض هذه المصارف إلى شبه هبات للمقترضين، فخسرت هذه المصارف رؤوس أموالها، ومانعت المصارف التجارية إعادة تكوين رؤوس الأموال هذه. كان من المُفترض، ومن الحكمة، ربط قيمة القروض بسلّةٍ من العملات لتثبيت قيمتها الحقيقية، وإعطاء القروض بفائدة حقيقية ثابتة، أو بفائدةٍ عائمةٍ مرتبطةٍ بمعدلات التضخّم.
لم يعمل مصرف لبنان بجدّية على إعادة إحياء السوق المالية (البورصة) التي تزاحم المصارف في دور الوساطة المالية، والتي بإمكانها وضع المتموّل مباشرةً أمام المقترض، بكلفة وساطة متدنية جداً. تعارض المصارف التجارية قيام بورصة كهذه، لأنّ قيام بورصة حقيقية يدفع المصارف إلى تضييق الهوّة بين الفائدتين الدائنة والمدينة إلى حوالي 1%، بدل أكثر من 6%، كما هو الآن. إنّ البنية الإحتكارية للمصارف التجارية اللبنانية، والتي تشكّل قوةً سياسيةً ضاغطةً كبرى، نتيجة «تمويل» الأكثرية الساحقة من أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية، تعارض تطوير السوق المالية اللبنانية وتحريرها من هيمنتها.
يمكن القول إنّ حاكم مصرف لبنان لم يعمل على تنفيذ المهمّات التي حدّدها له قانون النقد والتسليف، وفقاً للمادة 70، بل عمد فعلياً على تخريب هذه المهمّات بوعي كامل، ولسنوات طوال جداً، تمتدّ إلى 27 عاماً، رغم تحذير الكثيرين من مخاطر هذه السياسات. وعمل الحاكم كذلك على خداع الرأي العام وإخفاء الوقائع عنه، واستعمال لغة موارِبة لتزوير الوقائع، واتخذ لنفسه وللمصرف المركزي أهدافاً أخرى بعيدةً عن ما نص عليه قانون النقد والتسليف، كما سنرى في الجزء الثاني من الدراسة.

في الوقت الذي تنكّر فيه حاكم مصرف لبنان لقانون النقد والتسليف واستهدافاته، وضع للمصرف المركزي استهدافاتٍ وأولويات أخرى، مثل زيادة ربحية المصارف التجارية، ثم “مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب”، وما تبِع ذلك من “مكافحة الفساد والتهرّب الضريبي”، وبطلبٍ وإلحاحٍ من السلطات الأميركية.
إنّ استهداف المصرف المركزي لزيادة ربحية المصارف التجارية، هو غريبٌ من نوعه، ولا سابقة له في دول العالم. وهو يتناقض مع سياسات المصارف المركزية، التي تستهدف عادةً خفض كلفة الوساطة المالية، خدمةً لقطاعات الإنتاج الحقيقي. لكن الاستهداف الأول ينسجم مع النظام اللبناني، ذي البُنى الاحتكارية الشاملة، حيث تمثّل المصارف التجارية بنيةً احتكاريةً مسيطرة، منذ عهد الاستعمار الفرنسي للبنان. كان سلوك رياض سلامة يمثّل فعلاً توجّهات النظام القائم، المنبثق عن مؤتمر الطائف، وينسجم مع نهج واستهدافات السلطتين التشريعية والتنفيذية.
عُقِد مؤتمر الطائف بعد هزيمة قوى العدوان الأطلسي الأميركي – الصهيوني، وقوى النظام اللبناني الرسمي وميليشياته الطائفية الملتحقة بقوى العدوان. هُزِم العدوان على يد المقاومات الشعبية في بيروت والجبل والجنوب، بدعمٍ سوري وسوفياتي، إذ تحوّل لبنان إثر العدوان إلى ساحة صراعٍ إقليميةٍ ودولية. سبق انعقاد مؤتمر الطائف انهيار الاتحاد السوفياتي، لأسبابٍ غير عسكرية؛ كان للحرب الاقتصادية والمالية والتجارية التي قادتها الولايات المتحدة الأميركية ضدّ الاتحاد السوفياتي دور في هذا الانهيار، وذلك بعد هزائم المغامرات العسكرية الأميركية في العديد من دول العالم.

هيئة التحقيق الخاصة وأخواتها
اتخذت الولايات المتحدة، منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي، من قدراتها الاقتصادية والمالية، المدعومة بقدراتٍ عسكريةٍ طاغية (بعد انهيار الاتحاد السوفياتي)، أدواتٍ أساسية في مشاريعها العدوانية التوسّعية، لبسط سيطرتها على العديد من دول العالم. جنّدت الولايات المتحدة مؤسسات النظام الاقتصادي العالمي الثلاث (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسة الاتفاقية العامة حول الجمارك والتجارة GATT، التي أصبحت في ما بعد منظمة التجارة العالمية) وقطاع المال العالمي الذي تسيطر عليه وعلى مؤسساته (مثل بنك التسويات الدولية BIS ونظام التحويلات المالية SWIFT)، جنّدتها لشنّ حروبها الاقتصادية لإخضاع شعوب العالم ودوله.
منذ تسعينيات القرن الماضي، أنشأت الولايات المتحدة العديد من المنظّمات الإقليمية والدولية، بإشراف استخباراتها وخزينتها، خدمةً لمصالحها وسيطرتها. كان من أهمّ المنظّمات تلك مجموعة “اغمونت”، التي سارع النظام اللبناني للالتحاق بها. تمثّل مجموعة “اغمونت” المذكورة لـ “وحدات الإخبار المالي”، التي أُنشئت سنة 1995، والمرتبطة بالخزينة الأميركية، إحدى أدوات المراقبة وجمع المعلومات، للتدخّل في العديد من دول العالم. تحاول المجموعة هذه إخفاء هويّتها الحقيقية بالقول إنها:
“منتدى دولي غير سياسي لوحدات الإخبار المالي، لتفعيل التعاون في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب (ولديها نظام إلكتروني للتواصل، يسمح بتبادل الرسائل الإلكترونية والمعلومات بشكلٍ آمن بين وحدات الإخبار المالي… وتوفّر سكرتارية مجموعة “اغمونت” الدعم الاستراتيجي والإداري لنشاطات المجموعة، ومركزها تورونتو، كندا”.
للمجموعة أربعة فروع عمل:
1 ـ فريق العمل المعني بتبادل المعلومات حول تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
2 ـ فريق العمل المعني بالعضوية والدعم و”الامتثال”.
3 ـ فريق العمل المعني بالسياسة والإجراءات.
4 ـ فريق العمل المعني بالمساعدة التقنية والتدريب.
ولدى «اغمونت» ثماني مجموعات إقليمية، منها مجموعة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي ساهم لبنان كثيراً في إنشائها(1).
أصدر مجلس النواب اللبناني القانون رقم 44 الخاص بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، بتاريخ 20/4/2001، بطلبٍ من حاكم مصرف لبنان، على الأرجح. عُدِّل هذا القانون وطُوِّر بتاريخ 24/5/2012.
ينصّ القانون 44/2001 على إنشاء «هيئة التحقيق الخاصة لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب». ثم انضمّت الهيئة هذه إلى «مجموعة اغمونت» في سنة 2003، و»كانت بين الأوائل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا… وساعدت الهيئة عدداً من وحدات الإخبار المالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الحصول على عضوية مجموعة اغمونت، وقدّمت مساعداتٍ تقنية إلى وحدات الإخبار المالي».(2)
أُنشئت بعدها «مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» (الـ»مينافاتف»). تعني «منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» الوطن العربي، الذي لا تعترف الولايات المتحدة به كوحدةٍ قومية أو حضارية أو حتى لغوية، وتحدّد هويته بموقعه الجغرافي. كان اسمه «الشرق الأدنى» في عهد الاستعمار الأوروبي، وأصبح اسمه «الشرق الأوسط» في عهد الإمبريالية الأميركية. أُنشئت الـ «مينافاتف» عام 2004، في اجتماعٍ عُقِد في «مملكة البحرين». يقول إعلام المجموعة إنها «مجموعة مستقلة عن أيّ هيئة أو منظمة دولية أخرى، وهي ذات طبيعة طوعيّة وتعاونيّة… (هدفها) العمل المشترك بالمواضيع المرتبطة بعمليّات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب». تعمل المجموعة هذه تحت إشراف مجموعة من الدول والمؤسسات الدولية، مثل: الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الفرنسية والمملكة المتحدة وإسبانيا وأستراليا وألمانيا وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومجموعة اغمونت. مركز سكرتارية هذه المجموعة البحرين، ويُعتبر لبنان من الدول المؤسِّسة للمجموعة، وهو عمل على «إقناع بعض الدول العربية بالانضمام إليها».
«أكّد رئيس مجموعة العمل المالي لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، محمد بعاصيري (الذي أصبح في ما بعد نائباً لحاكم مصرف لبنان)، أنّ المجموعة تسعى إلى تغيير الفكرة المأخوذة عن العالم العربي كمصدرٍ للإرهاب وتمويله». أوضح بعاصيري، الذي يشغل منصب رئيس هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان، «أنّ طبيعة عمل المجموعة تطوعية وتعاونية»، مشيراً إلى أنّ المجموعة لم تؤسَّس بالاتفاق بين أعضائها؛ هي لا تنبثق من معاهدة دولية، وهي مستقلة عن أيّ هيئة أو مؤسسة دولية أخرى تحدِّد عملها ونُظُمها وإجراءاتها».(3)
يعطي القانون رقم 44 هيئة التحقيق الخاصة سلطاتٍ استثنائيةٍ واسعةٍ جداً، منها رفع السرّية المصرفية عن أموال أيّ مشتبه به بـجرم «تبييض الأموال وتمويل الإرهاب»، ولها الحق بالتجميد النهائي لحساباته، وإبقاء الحسابات المشتبه بها قيد المراقبة. توضَع إشارة على القيد والسجلّات العائدة إلى أموال منقولة وغير منقولة، تفيد بأن هذه الأموال هي موضوع تحقيق من قبل «الهيئة». للأخيرة أن تطلب من الأشخاص والجهات المعنية، الرسمية والخاصة، إتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع التصرّف بالأموال المنقولة وغير المنقولة؛ وعلى الجهات الرسمية وغير الرسمية أن تستجيب دون أي تأخير لهذا الطلب. لا يخضع العاملون في الهيئة، أو المكلّفون بالعمل فيها، لأحكام القانون الصادر بتاريخ 3/9/1965، وموضوعه سرّية المصارف.
لرئيس الهيئة، أو من ينتدبه الأخير، أن يخابر مباشرةً السلطات اللبنانية أو الأجنبية كافةً (القضائية والإدارية والمالية والأمنية)، بغية طلب معلومات، أو الاطلاع على تفاصيل التحقيقات. على السلطات اللبنانية أن تستجيب فوراً، دون الاعتداد تجاه الهيئة، بأي موجبٍ للسرية.
«يتمتّع العاملون بالهيئة، أو المنتدبين من قبلها، بالحصانة ضمن نطاق عملهم، بحيث لا يجوز الادعاء عليهم أو ملاحقتهم بأي مسؤولية مدنية أو جزائية»، أيّ حتى ولو ألحقوا أضراراً فائقة بمن يجري تجميد أموالهم المنقولة وغير المنقولة، ولو تبيّن في ما بعد بطلان اتهاماتهم.
«يتحمّل مصرف لبنان نفقات الهيئة والأجهزة التابعة لها من ضمن الموازنة التي تضعها، على أن تحظى بموافقة المجلس المركزي لمصرف لبنان». يرأس هذه الهيئة حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة.
عند إنشاء هذه الهيئة، تمّ استئجار مركز سرّي لها في منطقة الأشرفية في بيروت، ووُضِع هذه المركز تحت حراسة مشدّدة، خوفاً من ردّ فعل «المقاومة الإسلامية» على عمل الهيئة في «مكافحة تمويل الإرهاب». تصنّف الإدارة الأميركية المقاومة كمنظمة إرهابية، وتعتبر نضالها عملاً إرهابياً. لمّا لم تظهر «المقاومة الإسلامية» أيّ ردّ فعل عدواني ضدّ الهيئة، لسنوات عدة، نُقِل مقرّ الهيئة إلى داخل حرم مصرف لبنان. يقول تقرير الهيئة المذكور أعلاه، في مقدمته: «انطلقت هذه المسيرة (مسيرة الهيئة) بإنشاء مؤسسة غير معروفة… تضمّ بضعة موظفين يعملون في مكتب متواضع. حالياً، تشغل (الهيئة) مقراً خاصاً بها، مزوّد بأحدث التجهيزات ومستلزمات الأثاث، داخل حرم مصرف لبنان، وقد تضاعف حجمها خلال السنوات الماضية إلى حد كبير».
يقول أمين عام الهيئة، عبد الحفيظ منصور، «تمكنّا (في سنة 2018) من الإيفاء بكامل واجباتنا، وأثبتنا أننا جميعاً ملتزمون بالتعاون الدولي، وملتزمون أيضاً بتأمين الموارد اللازمة لنبقى دوماً في مرتبة متقدمة ضمن الجهود الدولية المبذولة لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب (stress added)”. ارتفع عدد موظفي الهيئة إلى 49 موظفاً، إلى جانب أمينها العام، واستطاعت الحصول على “الموارد اللازمة”، وقدرها 700 مليار ليرة (سبعمئة مليار ليرة) من مصرف لبنان، وفقاً لمصادر موثوقة في المصرف المركزي. إن هذا المبلغ الذي يتحمّله مصرف لبنان لتمويل “هيئة التحقيق الخاصة” يتجاوز الموازنات السنويّة للعديد من الوزارات، وتبقى هذه الكلفة محاطةً بالسرية المطلقة، إذ إن رياض سلامة يمتنع عن نشر الموازنة السنوية لمصرف لبنان، ولا يسمح لأحد بالاضطلاع عليها.
يقول رئيس هيئة التحقيق الخاصة، حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، في كلمةٍ قدّم بها تقرير الهيئة السنوي لعام 2018: “سنة 2018 كانت حافلة بالتحديات والصعوبات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة أساساً عن وجود أعداد كبيرة من اللاجئين، والجمود السياسي… بالرغم من ذلك، نجحنا في صون الاستقرار المالي والنقدي بفضل عزمنا وقدرتنا على الصمود. تبقى مكافحة الجرائم المالية… وتمويل الإرهاب أولوية بالنسبة إلينا”.
سبق لرياض سلامة أن شدّد على أولوية مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والتي لا علاقة لها بمهمّات مصرف لبنان، كما يحدّدها قانون النقد والتسليف، إذ قال: “إن تطبيق المعايير الدولية في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب أولوية بالنسبة إلينا”، وذلك في سنة 2016.(4) 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*البورصة العاملة حالياً في بيروت ليست رسمية، ولا مراقبة، ولا تقوم بأعمال البورصة المتعارف عليها في العالم؛ وهي ملك لبعض المصارف التجارية.
هوامش
1 ـ التقرير السنوي لهيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان لسنة 2018، ص 54.
2 ـ المصدر نفسه، ص 55.
3 ـ جريدة “السفير”، 22/4/2005.
4 ـ صحيفة “الحياة”، “مصرف لبنان شريك في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب”، 24/5/2016.

 

غالب أبو مصلح، مفكر سياسي وخبير اقتصادي ومناضل عربي من لبنان
عين كسور، الأول من حزيران، 2020
 

افتتاحيات الصحف اللبنانية، يوم الجمعة 13 أيار، 2016

النهار
“حزب الله” يفتح المواجهة المصرفية
نصرالله لحليفه: لسنا ملزمين حلفاءكم
“في ظل تصاعد الحمى الانتخابية عشية المرحلة الثانية من الانتخابات البلدية والاختيارية الاحد المقبل في محافظة جبل لبنان، اخترق تطور لافت يتعلق بتنفيذ تعاميم مصرف لبنان على المصارف اللبنانية في شأن التزام الاجراءات الاميركية ضد “حزب الله” المناخ الانتخابي بعدما لاحت بوادر هجوم للحزب وضع أمامها الحكومة كلاً في خانة الاحراج. وبرزت هذه المسألة بتعقيداتها من خلال اثارة “كتلة الوفاء للمقاومة” أولاً في بيانها بعد ظهر أمس موضوع القانون الاميركي الذي صدر أخيراً والتزام المصارف اللبنانية احكامه متخذة منه موقفاً حاداً اذ اعتبرت انه “يؤسس لحرب الغاء محلية” وحملت بعنف للمرة الاولى على مصرف لبنان وعدد من المصارف متهمة إياها “بتأجيج هذه الحرب” وذهبت الى التحذير من ان هذا الامر “يعرض البلاد لانهيار نقدي خطير ولفوضى عارمة”. وفيما طالبت الكتلة باعادة النظر في هذه التعاميم، نقل وزيرا “حزب الله” محمد فنيش وحسين الحاج حسن موقف الحزب من التعاميم الى مجلس الوزراء في جلسته مساء حيث دار نقاش مستفيض بين الوزراء في هذا الموضوع بكل المحاذير التي ينطوي عليها طرح اعادة النظر في التعاميم لجهة التداعيات التي يتركها على القطاع المصرفي اللبناني.

وعلمت “النهار” ان جلسة مجلس الوزراء التي إستمرت ثلاث ساعات استهلكت ساعة منها في البحث في إعتراض وزيريّ “حزب الله” على التدابير التي اتخذتها المصارف بناء على تعاميم مصرف لبنان تطبيقاً لقانون العقوبات الاميركي على “حزب الله”، استهلكت الساعتان الأخريان في مناقشة إعتراض وزيريّ حركة “أمل” علي حسن خليل وغازي زعيتر على العقد الموقع بين الدولة اللبنانية وشركة j&pavax متعهدة أعمال معمل دير عمار. لذا لم يقترب المجلس من بنود جدول ألاعمال المؤلف من 120 بنداً.

وفي التفاصيل التي أوردتها مصادر وزارية لـ”النهار” ان الوزيريّن فنيش والحاج حسن طرحا موضوع العقوبات المالية الاميركية على “حزب الله”، فبدا مجلس الوزراء عاجزا عن إتخاذ أي قرار. وخلال النقاش طرح عدد من الاقتراحات منها تشكيل لجنة وزارية لمتابعة الموضوع أو عقد جلسة خاصة للمجلس للبحث فيه أو تركه للمعالجة بين رئيس الوزراء تمام سلام وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة ووزير المال. وقد اعتمد الاقتراح الاخير. لكن المصادر أوضحت أن خيارات الدولة محصورة بتنفيذ القرار الاميركي على رغم محاولة “حزب الله” نزع الطوق عنه فيما الدولة عاجزة عن مساعدته. وكشفت أن حاكم المركزي لم يتخذ القرارات بنفسه بل أتت بعد التشاور مع المرجعيات وتحديداً مع “حزب الله”.

أما اعتراض وزيريّ “أمل” على عقد دير عمار، فقد جاء على خلفية تنفيذ العقد بإضافة ضريبة الـ TVA أو عدم إضافتها. لكن الغالبية العظمى من الوزراء أيدت العقد كما ورد بعيداً من موضوع الضريبة. وبعد ساعتيّن من النقاش تم تأجيل البند، الامر الذي وصفته المصادر بالسابقة التي تسيء الى عمل المجلس، قائلة: لم نكن نعرف من هو وزير الطاقة هل هو جبران باسيل أم آرتور نظاريان؟ ومن هو وزير الموارد هل هو الياس بوصعب أم باسيل؟ ومن هو وزير المال هل هو زعيتر أم خليل؟ ومن هو حاكم المركزي هل هما الوزيران فنيش والحاج حسن أم سلامة؟ وقال وزير العمل سجعان قزي لـ”النهار” تعليقاً على الجلسة: “ان مجلس الوزراء كان أشبه بديوانية بلا أراكيل!”.

وعلمت “النهار” ان جدول أعمال الجلسة الذي لم يناقش كان تضمن بنداً لطلب وزارة الخارجية والمغتربين الموافقة على إنشاء لجنة وزارية لوضع لوائح اسمية بالإرهاب، وذلك استناداً إلى كتاب يعود إلى تاريخ 8 آب 2014 أوضحت فيه أن لبنان انضم إلى غالبية اتفاقات الأمم المتحدة المتعلقة بالإرهاب كما أبرم الإتفاق العربي لمكافحة الإرهاب في 1999 والذي ميّز بوضوح بين الإرهاب ومقاومة الإحتلال. وأضافت أن القرارات الدولية ذات الصلة يحتم على الدول المشاركة في توفير معلومات عن التنظيمات التكفيرية، “داعش و”النصرة” و”القاعدة” وشبيهاتها، ووضعها في لائحة خاصة، مع الإشارة إلى قرار لمجلس الوزراء يعود تاريخه إلى 12 أيلول 2007 بالموافقة على إنشاء لجنة تنسيق وطنية لقمع تمويل الإرهاب تضم ممثلين لوزارات العدل والداخلية والخارجية والمال والنيابة العامة التمييزية وهيئة التحقيق الخاصة ومصرف لبنان.

لقاء المصيطبة

في غضون ذلك، اكتسبت التحركات والمواقف السياسية المتصلة بالجولات المقبلة من الانتخابات البلدية حرارة تصاعدية وكان أبرزها مبادرة الرئيس سلام الى جمع الرئيسين سعد الحريري ونجيب ميقاتي ليل أمس بعيداً من الاعلام في لقاء نادر لهما منذ سنوات في دارة سلام في المصيطبة. وتركزت هذه المبادرة على محاولة تسهيل التوافق بين الرئيسين الحريري وميقاتي مدخلاً الى توافق واسع في مدينة طرابلس يجري العمل الحثيث على انجاحه. واستمر اللقاء حتى منتصف الليل، وأصدر المكتب الإعلامي للرئيس سلام بياناً أفاد أن الحريري وميقاتي التقيا بدعوة منه إلى مائدة عشاء وتمّ البحث في الأوضاع السياسية العامة “والتشديد على ضرورة تعزيز اللحمة بين مكوّنات النسيج اللبناني من دون استثناء أو استبعاد أحد لأن لبنان يحتاج إلى تحصين جبهته الداخلية في ظل الأوضاع المتفجرة في المنطقة. ونوّه الرئيسان ميقاتي والحريري بمبادرة الحكومة إلى إجراء الانتخابات البلدية والاختيارية. وأمل المجتمعون أن ينسحب هذا الأمر على الاستحقاقات كافة، لا سيّما منها انتخاب رئيس للجمهورية، وأن يتعاون جميع الأطراف من أجل إطلاق عجلة عمل مجلس النواب وإقرار قانون جديد وعصري للانتخابات النيابية”.

نصرالله والحلفاء

وفي تطور آخر، اكتسب دلالة بارزة عقب مرحلة بيروت والبقاع لجهة التداعيات التي تركتها على العلاقات بين الحلفاء السياسيين، توقف المراقبون عند الرسائل المباشرة التي وجهها الامين العام لـ”حزب الله ” السيد حسن نصرالله الى حليفه رئيس “تكتل التغيير والاصلاح” العماد ميشال عون في ظل الامتعاض الذي ردده الفريق العوني من توزيع الحزب أصواته على أطراف السباق الانتخابي في زحلة. وقال نصرالله في ما بدا رداً مباشراً على الانتقادات العوني “ان الحزب ملتزم التحالف مع التيار الوطني الحر وليس ملزماً التصويت لمن تحالف معهم التيار”. وأضاف: “نحن لا نخون ولا نطعن حليفا واننا غير ملزمين لوائح انضم اليها خصوم سياسيون للحزب”.

واعتبرت مواقف نصرالله بمثابة الرسالة الأوضح عن تحالفاته مع حلفائه سواء في ما يتعلق بالمرحلة الاولى أو بالمراحل التي ستعقبها في مناطق اخرى ستتداخل فيها عوامل مشابهة لمعركتي زحلة وبيروت.

ويشار في السياق الانتخابي الى انه قبل ثلاثة أيام من جولة الانتخابات في جبل لبنان وفيما تحتدم حمى التنافس في بعض المدن والبلدات على خلفيات سياسية مثل جونية وسن الفيل، بدت معركة دير القمر مرشحة لمواجهة حادة بين رئيس حزب الوطنيين الاحرار دوري شمعون وحليفه الوزير السابق ناجي البستاني من جهة و”القوات اللبنانية” ممثلة بالنائب جورج عدوان و”التيار الوطني الحر” من جهة أخرى.

كما تشهد الدامور مواجهة ساخنة بين لائحتين على خلفية انمائية عائلية. واتجهت الشويفات أيضاً الى مواجهة بين الحزب التقدمي الاشتراكي والحزب الديموقراطي اللبناني برئاسة النائب طلال ارسلان بعد فشل محاولات التوافق. وفي المقابل استراحت مدينة عاليه من السباق بعدما فازت فيها لائحة توافقية بالتزكية أمس. وفازت أيضاً لائحة بالتزكية في المختارة. وفازت لائحة توافقية في قرطبا بالتزكية بدعم من النائب السابق فارس سعيد والعائلات والاحزاب.

السفير
«حزب الله» يتهم «المركزي» والمصارف:
أنتم شركاء في حرب الإلغاء الأميركية
“برغم حرص الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله على وضع النقاط على حروف التحالفات السياسية الإلزامية، وغير الإلزامية، في الانتخابات البلدية، وخصوصا مع حليفه المسيحي الأبرز العماد ميشال عون، فإن المحطات الانتخابية المقبلة، خصوصا في جبل لبنان والجنوب، لن يكون «حزب الله» بمنأى عن تداعياتها، سواء على صعيد الحلفاء، أو ضمن بيئته، لا بل حتى في بيته الداخلي.

وحسنا تعمد السيد نصرالله أن يختار مناسبة «يوم الجريح المقاوم» للرد على ما أثير من انتقادات للحزب، خصوصا في زحلة، وقال للحلفاء: نحن ملتزمون معكم سياسيا وأخلاقيا وأدبيا، لكننا لسنا ملزمين بمن تتحالفون معهم، وبينهم من يسيء يوميا إلينا ويعتدي علينا وعلى تضحيات المقاومين والشهداء والجرحى.

وكان لافتا للانتباه عدم تطرق نصرالله لقضية القانون المالي الأميركي بعنوان «منع التمويل الدوليّ لحزب الله»، فيما كانت «كتلة الوفاء للمقاومة» ترفع الصوت عاليا رفضا لهذا القانون «لأنه يؤسس لحرب إلغاء محلية يسهم في تأجيجها المصرف المركزي وعدد من المصارف، فضلاً عن كون الالتزام به مصادرة للسيادة اللبنانية النقدية».

واعتبرت «الكتلة»، بعد اجتماعها الأسبوعي، أمس، أن التعاميم التي أصدرها حاكم المصرف المركزي رياض سلامة، مؤخرا، وفقاً للقانون الأميركي «هي انصياع غير مبرر لسلطات الانتداب الأميركي النقدي على بلادنا، ومن شأنها أن تزيد تفاقم الأزمة النقدية وتدفع البلاد نحو الإفلاس بسبب ما سينتج من قطيعة واسعة بين اللبنانيين وبين المصارف، الأمر الذي يعرّض البلاد لانهيار نقدي خطير ولفوضى عارمة غير قابلة للاحتواء»، ودعت سلامة لإعادة النظر في تعاميمه الأخيرة «لتتوافق مع السيادة الوطنية»، مطالبة «الحكومة باتخاذ الإجراءات المناسبة لتلافي التداعيات الخطرة التي ستنجم عنها».

وإذا كان هذا الموقف قد صدر على مسافة قريبة من الزيارة الوشيكة التي سيقوم بها مساعد وزير الخزانة الأميركيّة لشؤون تمويل الإرهاب دانيال غلايزر إلى بيروت، فإن مصادر معنية أوضحت لـ«السفير» أن بيان «الكتلة» يضع العلاقة بين «حزب الله» وحاكمية مصرف لبنان عند مفترق طرق، ذلك أن التجربة الأخيرة بين الجانبَين أبرزت الافتقاد إلى الشفافية والوضوح، وأضافت أن نواب «لقاء الأربعاء النيابي» أثاروا الأمر مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، خصوصا في ضوء تفاهم النائب السابق أمين شري مع رياض سلامة على مجموعة خطوات لا تتناقض مع روحية القانون الأميركي بل ترتبط بالسيادة الوطنية، وأبرزها ما يتعلق بمبادرة أي مصرف لبناني إلى إقفال أي حساب لأي مواطن لبناني قبل العودة إلى مصرف لبنان، فضلا عن ترك الباب مفتوحا أمام أي مواطن لبناني يريد فتح حساب بالليرة اللبنانية في أي مصرف لبناني.

وتمثلت المفاجأة بالنسبة إلى «حزب الله» بصدور تعميمَين عن مصرف لبنان يفيد أولهما باطلاع مصرف لبنان على إقفال حساب أي مواطن لبناني، بدل أن تكون المبادرة بيد المصرف المركزي، وهنا قال أحد القياديين في «حزب الله» لسلامة: «بهذا التعميم تقول للمصارف أعدموا من تشاؤون، ثم أعطوني العلم والخبر»!

أما التعميم الثاني، فقضى بدعوة جميع المصارف اللبنانية إلى الالتزام بالمراسيم التطبيقية للقانون المالي الأميركي، بما في ذلك التراجع عن قرار الإجازة للمصارف بفتح حساب بالعملة الوطنية، بذريعة أن المراسيم نصت صراحة على شمول الحظر فتح الحساب بالدولار وبأية عملة أخرى!

وهذه النقطة تحديدا أثارها النواب مع الرئيس بري من زاوية أن العديد من الاقتراحات ـ المخارج التي طُرحت لبنانيا حول سبل تدارك تداعيات القانون الأميركي «فجأة وجدناها في صلب المراسيم التطبيقية الأميركية، لكأن هناك جهة لبنانية سواء في بيروت أو في واشنطن، تبادر إلى تسريب هذه الاقتراحات، لنجد أنها صارت فجأة في صلب المراسيم الأميركية»!

وقالت المصادر المعنية إن الرئيس بري علّق على هذا الأمر بالقول: «للأسف صار في عنا أميركان وصهاينة في لبنان أكثر من الأميركيين والصهاينة»!

وكشفت المصادر أن ثمة «لوبي إسرائيليا ـ لبنانيا ـ عربيا» يتحرك في واشنطن يوميا بإشراف مباشر من مكتب وزيرَي خارجية الإمارات عبدالله بن زايد والسعودية عادل الجبير، فيما يلعب السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة دورا رئيسيا في ملاحقة بعض الخطوات ضمن دوائر الكونغرس الأميركي ومع وزارة الخزانة الأميركية «والمؤسف في الأمر أن جهات حزبية لبنانية تلعب دورا سلبيا في هذا الاتجاه»!

وبعدما تواصل «حزب الله» مباشرة مع حاكمية مصرف لبنان ولم يحصل على أجوبة مقنعة، تقرر أن تكون الخطوة الثانية عرض الأمر في أول جلسة يعقدها مجلس الوزراء (أمس)، حيث سبقها صدور بيان «كتلة الوفاء للمقاومة».

وحسب مصدر وزاري، فإن وزير الصناعة حسين الحاج حسن بادر إلى إثارة الموضوع في مجلس الوزراء، بعدما كان قد أثير عرضا في جلسات سابقة، وهو قال إن ما يحصل هو بمثابة عدوان خطير ويتجاوز كل الخطوط الحمراء، خصوصا أن الأمر لا يقتصر على استهداف فئة أو طائفة لبنانية بل يستهدف كل اللبنانيين، مطالبا الحكومة بأن تتحمل مسؤولياتها، خصوصا في ضوء التعاميم الأخيرة التي أصدرها حاكم مصرف لبنان.

وبعدما أكد حرص الحزب على سلامة القطاع المصرفي وحصانته، عرض الحاج حسن مجموعة وقائع للتدليل على ما أسماه «غلو بعض المصارف في تنفيذ القانون الأميركي»، وبينها إقفال حساب جديد لأحد النواب (نوار الساحلي) في أحد فروع أحد المصارف الكبرى في مدينة الهرمل، وكيف رفض مصرف آخر التراجع عن قرار إقفال حسابات النواب علي فياض وعلي عمار وعلي المقداد، كما أعطى مثلا حول مبادرة أحد البنوك إلى إقفال حساب لا يتعدى الألف دولار (توطين لأجل فاتورة الهاتف الخلوي) يخص إبنة النائب السابق أمين شري الذي كان قد أبلغ في وقت سابق من إدارة المصرف نفسه بإقفال حسابه!

وشملت النماذج التي عرضها الحاج حسن مؤسسات تربوية وصحية ودينية واجتماعية أُقفِلت حساباتها بينها «جمعية المبرات الخيرية» التي يديرها السيد علي فضل الله نجل العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله، بالإضافة إلى أحد المستشفيات الذي يتولى تمويله عدد من المتمولين الخليجيين. وسأل: «ماذا إذا شملت الإجراءات في المستقبل عشرات البلديات التي فازت في الانتخابات بحجة أنها تضم شخصيات حزبية أو كان «حزب الله» مبادرا إلى تأليفها وتبنيها؟».

وتوزعت مداخلات الوزراء بين أغلبية ترفض الاستهداف السياسي لأي حزب لبناني، وبين مداخلات نافرة تقدم بها بعض الوزراء من فريق «14 آذار» وحملوا فيها «حزب الله» مسؤولية ما آلت اليه الأمور على قاعدة أن المقاومة بسلوكها الحالي صارت نقطة ضعف وليست نقطة قوة للبنان، فيما ذهب وزراء إلى مطالبة الحزب بتوفير النصاب الدستوري لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، فتنتهي الإجراءات الأميركية. وقال أحد الوزراء إنه من غير الجائز تحميل المسؤولية لا للمصارف ولا للحاكم المركزي، لأن لا أحد في العالم بمقدوره مواجهة الولايات المتحدة!

وقال نائب رئيس الحكومة وزير الدفاع سمير مقبل إن أحد المصارف الأميركية أبلغه بقرار إقفال حسابه في العاصمة الأميركية قبل فترة، وعندما استفسر كان الجواب أنه صدر تعميم أميركي يقضي بإقفال حساب أي مواطن لبناني في أي مصرف في الولايات المتحدة إذا كان صاحبه مقيما بصورة دائمة في لبنان. وطرح وزير آخر كيف رفض أحد المصارف في فرنسا مؤخرا فتح حساب له.

وتوقفت المناقشات عند حدود تكليف كل من رئيس الحكومة تمام سلام ووزير المال علي حسن خليل متابعة هذا الملف بالتنسيق مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، على أن يصار إلى إبلاغ مجلس الوزراء بالنتيجة، التي يفترض أن يتم التوصل إليها لتفادي مغالاة بعض المصارف في التعامل مع المراسيم الأميركية، خصوصا إذا كان التعامل محصورا بالليرة اللبنانية وبتوطين رواتب لعشرات آلاف الموظفين وليس بحركة أموال من بلد إلى بلد.

وقال أحد الوزراء بوجوب تكليف فريق مصرفي وقانونيّ لبناني ودوليّ لمتابعة هذه القضيّة، على قاعدة المواءمة بين النصوص الأميركيّة (القانون 2297 الصادر عن الكونغرس الأميركيّ في 15 كانون الأوّل 2015، حول «منع التمويل الدوليّ لحزب الله»)، والمراسيم التطبيقية الصادرة في 15 نيسان 2016 عن وزارة الخزانة الأميركيّة ومكتب مراقبة الموجودات الخارجيّة (OFAC) وبين القوانين والتعاميم المصرفية اللبنانية.

الأخبار
المتن الشمالي: رئاسة الاتحاد هديّة العونيين للمر
“لا حدود لسخاء التيار الوطني الحر في المتن الشمالي. في عام 2010، خاض التيار معركة النائب ميشال المر في بلدات الساحل وقَبِلَ بما تركه «ريّاس» المر في المجالس البلدية، قبل أن يهدوه رئاسة الاتحاد. واليوم، يجود البرتقاليون مجدداً على «أبو الياس»، ويعيدون تنصيبه زعيماً على بلدات المتن… مع حبّة مسك.

أنهى النائب ميشال المر انتخابات بلديات المتن الشمالي باكراً حتى قبل أن تبدأ، والقضاء الذي كان يفترض أن يكون ساحة المعركة الرئيسية للتيار الوطني الحر عاد الى جيب أبو الياس.

يمكن تخيله اليوم جالساً على أريكته في بتغرين، منتشياً بالفوز مجدداً برئاسة اتحاد بلديات المتن، من دون أن يتكلّف عناء تعيين مندوبين وتشغيل ماكينة أو الدخول في دهاليز البلدات ومشكلاتها. أخيرا، فازت 15 بلدية توالي زعيم العمارة بالتزكية: الدكوانة، المنصورية، الجديدة ــ البوشرية ــ السدّ، برج حمود، الرابية، ديك المحدي، بتغرين، زرعون، الغابة، مار شعيا ــ المزكة، برمانا وبياقوت.

ويوم الأحد المقبل، ستفوز بلدايتان يديرها «ريّاس» المر بطريقة تشبه التزكية (الزلقا وقرنة شهوان)، لعدم قدرة المرشحين المنافسين على ترشيح لوائح مكتملة معهم. 17 بلدية في جيب المر بسهولة تامة، في قضاء فاز فيه النائب ميشال عون بكل المقاعد النيابية حيث اقترع الناخبون للأول على اللائحة البرتقالية بأكثر من 40 ألف صوت! هكذا أمّن أبو الياس 17 صوتاً للاتحاد، وهو كل ما يحتاج إليه للفوز، إذ يتألف اتحاد البلديات من 33 بلدية ومن يحصل على النصف زائداً واحداً من عدد الأصوات يفوز تلقائياً.

لا يختلف اثنان على أن المر يعرف من أين تؤكل كتف العائلات المتنية، يساعده في ذلك أن خصمه العوني المفترض ليس سوى شريك سخيّ. وللمرة الثانية على التوالي، لم ير التيار بنوابه وقياداته نفعاً من منافسة المر على المراكز الرئيسية في المتن، ففضلوا الانشغال بما تركه أبو الياس لهم في بعض البلدات الثانوية ليمارسوا هوايتهم المفضلة بمنافسة بعضهم بعضاً. وهو ما أدى الى مزيد من الهدايا البرتقالية في بصاليم وقنابة برمانا والعيون والدوار ومزرعة يشوع، حيث معارك رابحة للمر بصرف النظر عن نتيجة الفائز، لأن اللائحتين المتنافستين في كل بلدة (وبضمان العونيين بالطبع) تختلفان على كل شيء إلا على حبهما لأبو الياس. لم يكتف المر بما سبق وبما سيحصل عليه عشية انتهاء الانتخابات، بعد ضمانه مسبقاً تهافت رؤساء البلديات إليه مهما كان انتماؤهم من أجل تقديم فروض الطاعة: فتمويل المشاريع الكبيرة والحصول على الرخص وكل ما تحتاج إليه البلدية لتصرّف أعمالها الملحة لا يمرّ إلا عبر الاتحاد.

لذلك من يرأس هذا الاتحاد لا يحتاج الى الفوز بالبلدية طالما أن «الجزرة» في حوزته. آثر التمسك ببلديات الساحل الأساسية، حيث الثقل المالي والشعبي والخدماتي، ليحافظ على شبكة ريّاسه من الدكوانة حتى ضبية. وهناك يخوض معارك، إما بمساعدة التيار أو في مواجهته، علماً بأن أيّاً من مرشحي العونيين لا يحمل بطاقة حزبية أو هو ملتزم في التيار.

«متاريس» سنّ الفيل

البداية من سن الفيل، حيث شكّل التيار الوطني الحر لائحة برئاسة رئيس ديوان نقابة المحامين جوزف شاوول (من أصول شمعونية) في وجه رئيس البلدية الحالي الكتائبي نبيل كحالة. سريعاً، اكتسبت المعركة طابعاً سياسياً بعدما بلغت الحماسة بالنائب ابراهيم كنعان حدّ عقد مؤتمر إعلان اللائحة، علماً بأنه في مسقط رأسه، بلدة الجديدة، فازت البلدية بالتزكية لحساب أنطوان جبارة الموالي للمر. رغم ذلك، اصطف بعض المنتسبين الى التيار وبعض العائلات العونية وراء كحالة وترشحوا على لائحته. وتقول الشائعات في هذا السياق إن متاريس العونيين في ما بينهم في بيروت، بروفة مصغرة لما سيحصل يوم الأحد المقبل في سن الفيل. يدعم شاوول قسمٌ من عائلته وكل من النائب كنعان وهيئة التيار المحلية وحزب القوات اللبنانية والطاشناق وحزب الله وحركة أمل، فيما يحوز كحالة دعم الكتائب وجزء من التيار والعائلات الكبيرة والقسم الثاني من عائلة شاوول بعدما أعلن مرشح التيار السابق الى البلدية عبدو شاوول تأييده العلني لكحالة. ومجدداً، «أبو الياس» يضحك في عبّه بانتظار انتهاء المعركة الطاحنة، فحصته في الريّسين مضمونة كيفما مالت الكفة.

«بتحبّ جسر جل الديب، انتخبنا»

ومن سنّ الفيل الى جل الديب، حيث ينقسم التيار الى تيارين، وبالتالي لائحتين: لائحة يدعمها النائب نبيل نقولا برئاسة أحد أعضاء البلدية الحاليين ريمون عطية، ولائحة أخرى برئاسة أندريه زرد أبو جودة ويدعمها جزء من هيئة التيار المحلية ورئيس هيئة القضاء هشام كنج. عنوان المعركة الرئيسي هنا ليس سوى جسر جلّ الديب، وعليه تشتعل صفحات التواصل الاجتماعي منذ ما يقارب الشهر بالشتائم والاتهامات المتبادلة تحت عنوان: «اللي بيحب جسر جل الديب ينتخبنا». الانقسام العوني أعقبه انقسام قواتي، إذ يقف مسؤول القوات في البلدة توفيق الحجل الى جانب عطية، فيما يؤيد قواتيو البلدة بمن فيهم أمين سرّ القوات لائحة زرد أبو جودة. بيضة قبان جلّ الديب هم مناصرو الحزب السوري القومي الاجتماعي. وحتى يوم أمس، لم يكن هؤلاء قد حسموا أمرهم. أما عضو المجلس البلدي الحالي جوزيف الملاح الذي يشكّل حالة فردية كونه أهم رجال الأعمال في البلدة والمدير العام لشركة ملاح غروب هولدينغ التي تدير أكثر من ثلاثين شركة (تضم عدداً لا يستهان به من أبناء جل الديب)، فيؤيد ريمون عطية. وسط ذلك، يقف رئيس البلدية الحالي إدوار زرد أبو جودة الى جانب عطية أيضاً، والريّس إدوار هو كبير جب آل عطية ويشدّ عصب العائلة من هذه الناحية. فيما يميل رئيس رابطة آل أبو جودة، وليم، الى جانب أحد أقرباء الريّس، أي أندريه أبو جودة. أما الرابح الأكبر، فالمر طبعاً. وعد اللائحتين بدعمهما، كلّاً على حدة، في ظل غياب أي منافس حزبّي وضع نصب عينيه تحجيم المر في جل الديب.

أنطلياس تستغيث

في أنطلياس، قرر التيار الوطني الحر أخيراً تأليف لائحة برئاسة عوني يدعى إيلي الصافي (غير منتسب الى الحزب) لمنافسة رجل المرّ الريّس إيلي أبو جودة. ويفترض بهذه المعركة أن تكون حادة نظراً الى أن صندوق البلدية فائض بما يزيد على 40 مليون دولار راكمها أبو جودة خلال سنوات رئاسته من دون اهتمام بإنفاقها إنمائياً في البلدة التي ليست على ما يرام من كل النواحي: المبنى البلدي قيد الإنشاء أوقف العمل فيه منذ مدة طويلة لأنه «غير مطابق لكل القواعد الهندسية». لكن القرار اتخذ بعد تبديد نحو 6 مليارات ليرة لبنانية؛ مشروع إنهاء توسيع طريق أنطلياس الداخلية معلّق هو الآخر، ما يسبب زحمة سير خانقة من دون مبرر. الشركة التي أعدت مخططاً لخفض نسبة الازدحام الداخلي في شارع البلدة الرئيسي لم تتمكن من تنفيذه بسبب فيتو الريّس على تحويل الطريق الى وجهة واحدة، وما يسببه ذلك من إزعاج لأصحاب المحال التجارية!

لا همّ، يخوض أبو جودة الانتخابات بحماسة، مدعوماً من القوميين وبعض العائلات العونية وحزب الطاشناق الذي يشكل قوة كبيرة في البلدة. فيما يخوض الصافي ونائب الرئيس القواتي شادي بو بحيبي معركتهما بدعم من منسق التيار أسعد يونس وحزب القوات اللبنانية. أما الكتائب فـ»إجر عند بو جودة وإجر عند الصافي».

عميد «الريّاس» في ضبية

لضبية رمزيتها الخاصة في المتن الشمالي، إذ يرأس بلديتها عميد «الريّاس» قبلان الأشقر منذ أكثر من 50 عاماً. والأشقر عابر للأحزاب وصديق الجميع وخصوصاً المر… ثم القوات والتيار والقوميين والكتائب والطاشناق. لذلك من الصعب جداً منافسته على مقعده، إلا أن ذلك لم يمنع ظهور لائحتين في مواجهته: الأولى برئاسة جوزيف الأشقر ويدعمه القوميون وجزء من الكتائب (تضم لائحته مرشحاً كتائبياً) ومجموعة «عونيون» التي تعتبر الثقل الأكبر للعونيين في ضبية.

فيما اللائحة الأخرى يرأسها زياد ضومط الذي يميل الى حزب الكتائب بدعم من منسق هيئة التيار عادل يمين ومنسقَي التيار السابقين عبدو لطيف وحبيب صقر ومسؤول الأحرار غابي عبود. أما الريّس قبلان الأشقر فيحظى بدعم الكتائب والقوات والطاشناق والمرشح عن المقعد الكاثوليكي في التيار جورج عبود (ضبية مسقط رأسه). وعبود يقفز منذ شهرين من بلدة الى أخرى مشاركاً في تأليف اللوائح ويمكن رصده في الصور الرسمية لعدد منها، إن كان في ضبية أو بصاليم أو بولونيا أو شويا أو الخنشارة. وبالمناسبة، تشتعل الخنشارة بمعركة حامية رغم سعي رئيس دير مار يوحنا الصايغ للرهبانية الباسيلية الشويرية (المركز العام للرهبنة الكاثوليكية) إرساء التوافق فيها. أخيراً، بات للبلدة لوائحها الثلاث، الأولى مدعومة من عبود، لما تمثله من ثقل كاثوليكي، برئاسة رئيس البلدية الحالي أنيس سماحة. اصطفاف التيار بغالبيته وراء لائحة سماحة يكاد يحسم نتائج الانتخابات، كونه صاحب الأصوات الأكبر في البلدة بما يعادل 500 صوت. يرأس اللائحة الثانية رئيس قسم الكتائب السابق كمال سماحة بدعم من الكتائب والحزب القومي، فيما تقف القوات اللبنانية الى جانب رئيس اللائحة الثالثة أسعد رياشي، علماً بأن لائحتي التيار والقوات غير مكتملتين وذلك لترك مجال لتبادل الأصوات. أما النائب ميشال المر، فله حيثية مؤثرة داخل البلدة، غير أنه حتى الساعة لم يحسم أمر أصواته ربما في انتظار اتضاح الصورة النهائية للوقوف الى جانب الريّس الرابح. وفي بصاليم، أبو الياس فائز في الحالتين، أكان الربح من نصيب جورج سمعان الكتائبي المدعوم من الطاشناق، أم رجله نسيم بو حبيب والعوني جورج مزهر اللذين يتقاسمان الولاية البلدية بمساندة من القوات والتيار وحزب الله.

حرب بيانات بين العونيين

في ما يخص الانتخابات البلدية، النظام الداخلي للتيار الوطني الحر واضح من حيث ضرورة عقد هيئة البلدة المحلية لجمعية عمومية يجري فيها رفع اسماء المرشحين الى هيئة القضاء عن طريق مسؤول الخدمات والبلديات. والأخير يعرضها على هيئة القضاء التي تبدي رأيها بالأسماء وترفع تقريرها إلى مجلس القضاء الذي يدلي بدلوه أيضاً قبل أن يحيل الأسماء على أمانة السر المركزية. ويفترض بالأمانة أن ترفع المعطيات التي تلقّتها الى المجلس السياسي ورئيس الحزب لاتخاذ القرار النهائي. ما سبق لم يحصل في أي بلدة متنية، وان حصل كما في حالة بيت شباب وبسكنتا، بقي في أدراج هيئة القضاء التي لم تجتمع منذ 12 نيسان 2016. ازاء ذلك، فتح بعض مسؤولي التيار «على حسابهم» وخصوصا في البلدات التي تشهد معارك عونية ــــ عونية، وبدأت حرب الرسائل النصية تصل الواحدة تلو الأخرى: هيئة القضاء تدّعي «مباركة» النائب ميشال عون والرئيس جبران باسيل للائحة على أخرى في ضبيه وجل الديب، وعضو المكتب السياسي الجبيلي ناجي حايك يسرح ويمرح على محطات التلفزة داعما هذا في الخنشارة وذاك في سنّ الفيل، محاولا الايحاء بأنه يمثل صوت «الجنرال». فيما يجول بعض العونيين في بلدات لحثها على الوقوف مع مرشح معين تحت عنوان: «الجنرال يريده». وهو ما دفع منسق لجنة الاعلام المركزية في التيار الوطني الحر ادغار طرابلسي الى الاعلان في حديث اذاعي أن «أي بيان لا يخرج عن لجنة الاعلام المركزية في التيار ليس له اي قيمة».

اللواء
عشاء سلام: مصالحة بين الحريري وميقاتي.. وطرابلس حاضرة
معارك طاحنة في الجبل الأحد.. ومواجهة بين حزب الله وسلامة بعد الإجراءات الأميركية
“عشية الجولة الثانية من الانتخابات البلدية والاختيارية في جبل لبنان، والتي تحظى باهتمام دبلوماسي غربي وعربي، استضاف الرئيس تمام سلام، في مبادرة وصفت بأنها تهدف إلى تمتين الوحدة الداخلية في مواجهة ما يجري في المنطقة، الرئيسين سعد الحريري ونجيب ميقاتي، على مأدبة عشاء اقيمت في دارته في المصيطبة، شارك فيها مدير مكتب الرئيس الحريري السيّد نادر الحريري وكل من ماهر وعزمي ميقاتي (نجله وابن شقيقه طه).

وبنتيجة المداولات، والتي استمرت حتى قبيل منتصف الليل، صدر عن مكتب الرئيس سلام بيان تناول ما جرى التداول فيه، تضمن الآتي:

«بدعوة من رئيس مجلس الوزراء تمام سلام، التقى الرئيسان نجيب ميقاتي وسعد الحريري مساء اليوم (امس) الى مائدة عشاء في منزله في المصيطبة، وتم البحث في الأوضاع السياسية العامة والتشديد على ضرورة تعزيز اللحمة بين مكونات النسيج اللبناني من دون استثناء أو استبعاد أحد، لأن لبنان يحتاج الى تحصين جبهته الداخلية في ظل الاوضاع المتفجرة في المنطقة التي بلغت حداً غير مسبوق في خطورته.

ونوّه الرئيسان ميقاتي والحريري بمبادرة الحكومة الى اجراء الانتخابات البلدية والاختيارية. وأمل المجتمعون أن ينسحب هذا الأمر على الاستحقاقات كافة لا سيما منها انتخاب رئيس للجمهورية، وأن تتعاون كل الاطراف من أجل اطلاق عجلة عمل مجلس النواب واقرار قانون جديد وعصري للانتخابات النيابية».

وفي معلومات «اللواء» ان البحث تطرق بعد تحضيرات دامت اكثر من ثلاثة أسابيع إلى التوافق البلدي الانتخابي في مدينة طرابلس بين رئيسي الحكومة السابقين وتيارهما، مع كل من النائب محمّد الصفدي والوزير السابق فيصل كرامي ونواب المدينة.

وكان الرئيس سلام، أكّد في كلمة له في المنتدى الاقتصادي العربي أهمية الاستقرار السياسي وانتخاب رئيس جديد للجمهورية لتحسين سمعة لبنان في الخارج وتقوية الاقتصاد.

وامام مجلس الوزراء اعرب سلام عن أمله في ان تكون الانتخابات البلدية التي تمت في مرحلتها الأولى بنجاح حافزاً لإتمام سائر الاستحقاقات الدستورية بما يؤمن انتظام عمل المؤسسات.

اما الرئيس الحريري فلاحظ امام المؤتمر الاقتصادي نفسه ان لبنان وعلى الرغم من الحرائق الإقليمية يشهد اجمل مظاهر الديمقراطية في انتخابات بلدية في كل مدينة وقرية تجرى بنزاهة وشفافية وهدوء تحت أعين العرب والعالم، وأكدت فيها بيروت تمسك أهل العاصمة بنهج الرئيس الشهيد رفيق الحريري والعيش الواحد في مواجهة التطرف».

مجلس الوزراء

وبعد ثلاث ساعات من النقاش «الحاد» و«البيزنطي» و«القانوني – الكيدي» أنهى البند 73 جلسة مجلس الوزراء، الذي لم يبحث سواه، وتقرر بالنتيجة ارجاء الملفات الخلافية من التعيينات سواء في مجلس إدارة تلفزيون لبنان إلى «أمن الدولة»، فضلاً عن اتخاذ ما يلزم من قرارات إزاء ما يلوح من انه أزمة مقبلة جديدة وداهمة في ملف النفايات الذي أصبح في عهدة وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق.

ومع هذه النتيجة تعددت الاوصاف التي أطلقت على الجلسة، فبعض الوزراء وصفها بأنها «غير منتجة» والبعض الآخر قال انها «مفلسة»، وبعضها الثالث قال عنها: «جلسة مكهربة»، تيمناً بالبند الذي استأثر على كامل الجلسة، وهو البند 73 والذي يتعلق بملف معمل دير عمار الكهربائي، حيث دارت سجالات بين وزير المال علي حسن خليل الذي دعا إلى فرض ضريبة T.V.A على مناقصة إنشاء المعمل، الأمر الذي استدعى رداً وصف بالمتشنج من وزير الخارجية جبران باسيل تحدثت مصادر المعلومات الوزارية عن ان وزير التربية الياس بو صعب انضم إليه، وكذلك وزير الاقتصاد آلان حكيم ووزير الدولة لشؤون مجلس النواب محمّد فنيش، فضلاً عن وزير الطاقة ارتيور نظريان المعني الأوّل بهذا الموضوع.

وكانت وجهة نظر هؤلاء الوزراء ان من شأن فرض الضريبة على القيمة المضافة انعكاسات سلبية على حماية الكهرباء ومصلحة البلد، وخشية ان تؤدي إلى قرارات جزائية تحكيمية، وانقسم المجلس بين مؤيد ومعارض، وادلى أكثر من وزير برأيه، في ظل جدل بيزنطي لم يترك لأي وزير فرصة للزحزحة عن موقفه، مما دفع بالوزير حكيم إلى الإشارة إلى استنسابية في القرار، مطالباً بعدم السير في فرض الضريبة، بسبب اعتراض مكون واحد داخل الحكومة، مع الإشارة إلى ان ديوان المحاسبة في الرأي الذي ابداه، أشار إلى عدم جواز فرض الضريبة، لكنه عاد واجاز فرضها بعد مطالعة الهيئة العامة للديوان.

وأدى النقاش غير المثمر إلى إشاعة أجواء من الملل، في ضوء تكرار الآراء والآراء المضادة، فتدخل وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس وقال للمتساجلين: «نحن هنا، لسنا في هيئة محلفين، والوجهة القانونية بفرض T.V.A أو عدمها يمكن ان ترفع اما إلى هيئة التشريع والقضايا في وزارة العدل أو إلى مجلس شورى الدولة»، ثم غادر الجلسة معرباً عن شعوره بالملل من غياب الانتاجية واستنزاف الوقت، لا سيما وأن مشاريع أخرى كانت مطروحة على جدول الأعمال ولم يجر التطرق إليها.

وليلاً غرّد الوزير خليل قائلاً: «موقفنا في مجلس الوزراء أمس كان واضحاً من مشروع الكهرباء، ولن نسمح بمخالفة القانون ولن نغطي صفقات»، في إشارة إلى أن العقد الموقع بين الدولة اللبنانية وشركة J&P-AVAX متعهدة أعمال معمل دير عمار، ينطوي على صفقة مالية لم يرغب وزير المال بتمريرها، إلا أن الوزير بوصعب تساءل بعد الجلسة: «بتحرز أن تجري كل هذه النقاشات ويبقى الناس من دون كهرباء والمعمل متوقف»، داعماً وجهة نظر باسيل الذي قال أنها موثقة من خلال العقود التي أظهرها، والتي تؤكد أنها لم تكن تُشير إلى الضريبة على القيمة المضافة، والتي لا تطبق على معملي الذوق والجية.

العقوبات الأميركية

أما الموضوع الثاني الذي أثير في الجلسة والذي حظي أيضاً بنقاش فهو المتعلق بلجوء مصرفي «لبنان والمهجر» و«سوسيته جنرال» إلى إغلاق حسابين لنائبين من كتلة الوفاء للمقاومة، فضلاً عن حساب لإبنة نائب سابق من نواب «حزب الله»، فقد استأثر بجانب من الأخذ والردّ، بعدما أثار الوزيران حسين الحاج حسن وفنيش موضوع العقوبات الأميركية والتزام مصرف لبنان بها، بعد التعميمات الأخيرة التي أصدرها والتي أدت إلى بدء تطبيق الإجراءات ضد «حزب الله».

وكان هذا الموضوع أثير في اجتماع كتلة «الوفاء للمقاومة» التي وصفت تعاميم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة «وفقاً للقانون الأميركي السيّئ الذكر إنصياع غير مبرر لسلطات الانتداب الأميركي النقدي على بلادنا، ومن شأنها أن تزيد تفاقم الأزمة النقدية وتدفع البلاد نحو الإفلاس بسبب ما سينتج من قطيعة واسعة بين اللبنانيين والمصارف، الأمر الذي يعرّض البلاد لانهيار نقدي خطير ولفوضى عارمة غير قابلة للإحتواء»، داعية حاكم مصرف لبنان إلى «إعادة النظر في تعاميمه لتتوافق مع السياسة الوطنية»، مطالبة الحكومة «باتخاذ الإجراءات المناسبة لتفادي التداعيات الخطيرة التي ستنجم عنها».

وهذا ما حصل في مجلس الوزراء حين طالب الوزيران فنيش والحاج حسن الرئيس سلام ووزير المال بالتحرك، لأن ما حصل «تجاوز الخط الأحمر إلى الأسود» على حدّ تعبير الحاج حسن، في حين رأى وزير العمل سجعان قزي أن الحل ليس عند الحكومة بل عند «حزب الله». وأوضح الرئيس سلام أنه التقى الحاكم سلامة الذي نقل إليه تطمينات، وجدّد المجلس تكليف الرئيس سلام والوزير خليل متابعة الموضوع مع الجهات المعنية لبنانياً ودولياً.

بلديات

في هذا الوقت بقيت الأنظار مشدودة إلى بلديات جبل لبنان، حيث تُشير الوقائع إلى مواجهات في عدد من البلدات الكبرى، على الرغم من فوز 21 بلدية بالتزكية في المتن، معظمها محسوب على النائب ميشال المرّ، لكن تمثلت فيها الكتل والفعاليات الحزبية في هذه البلدات.

وفي الوقت الذي اتجهت فيه الأنظار إلى تشكيل لائحة ثانية في مواجهة لوائح «حزب الله» المتحالف مع حركة «أمل» و«التيار الوطني الحر» بعنوان: «لوائح التنمية والوفاء والاصلاح»، في بلدات برج البراجنة والغبيري وحارة حريك، احتدمت عمليات تشكيل اللوائح المتنافسة في البلدات المسيحية الكبرى، لكن اللافت ما جاء أمس على لسان الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله حين دعا في كلمة له في احتفال لمناسبة «يوم الجريح المقاوم» أهل الضاحية وبقية البلدات في جبل لبنان إلى المشاركة الفعّالة في المرحلة الثانية، ودعم لوائح الحزب، كان لافتاً للانتباه تأكيده أنه ملتزم مع الحلفاء سياسياً وأخلاقياً وأدبياً، لكنه ليس ملتزماً بمن يتحالفون معهم، في إشارة واضحة إلى «تفاهم معراب»، مشيراً إلى أن الحزب ليس متحالفاً مع خصم سياسي وإنما مع حلفائه، ومع من لم يسئ إليه أو يعتدي عليه.

في جونية تتحالف «القوات اللبنانية» مع رئيس مؤسسة الانتشار الماروني نعمة افرام الذي عاد أمس من الفاتيكان، بحكم ما تردّد عن التزام أدبي للدكتور سمير جعجع معه، في مواجهة لائحة «كرامة جونية» التي يرأسها جوان حبيش مدعوماً من التيار الوطني الحر.

وفي دير القمر جرت مصالحة بين رئيس حزب «الوطنيين الاحرار» النائب دوري شمعون مع الوزير السابق ناجي البستاني لإدارة معركة انضم إليها حزب الكتائب في مواجهة تحالف «القوات» و«التيار العوني» والتي يرعاها نائب رئيس حزب القوات جورج عدوان.

وفي الدامور تتواجه لائحتا شارل غفري في وجه الياس عمار، وترددت معلومات ان الوزير السابق ماريو عون أبلغ من يعنيهم الأمر ان التيار على الحياد.

وفي سن الفيل هناك ملامح معركة حادّة بين رئيس البلدية الحالي الذي يدعمه حزب الكتائب نبيل كحالة في مواجهة جوزف شاوول المدعوم من التيار العوني.

وفي بعبدات هناك معركة بين هشام لبكي المدعوم من حزب الكتائب و«القوات» والنائب في كتلة عون سليم سلهب ومايك لبكي المدعوم من التيار العوني والتحالف العائلي.

وفي الحدث يتواجه رئيس البلدية الحالي جورج عون المدعوم من التيار العوني مع لائحة شكلها الرئيس السابق للبلدية الياس كرم مدعوماً من «القوات اللبنانية» والكتائب.

وفي ضبية تدعم «القوات» قبلان الأشقر في حين تدعم الكتائب ضياء ضوميط.

وفي الحازمية يتواجه جان أسمر رئيس البلدية الحالي على رأس لائحة الحوار والقرار مع لائحة «كرامة الحازمية» التي شكلها جورج باسيل.

البناء
تركيا والسعودية: هجمات ومجازر في حماة وحلب… لفرض وقائع قبل فيينا
نصرالله يرسم قواعد الاشتباك والتحالفات: داعش مُنْتَج أميركي لاستنزافنا
الصمت الانتخابي بوجه الفتنة… لسنا بلوكات انتخابية… خطتنا بوجه الحرب الناعمة
“بينما تكفّلت واشنطن وفرنسا وبريطانيا بتوفير الغطاء القانوني لـ»جيش الإسلام» و»أحرار الشام» وقطع الطريق على تصنيفهما على لوائح الإرهاب، تكفّلت تركيا والسعودية بدمج قواتهما تحت قيادة «جبهة النصرة» لجولة تصعيد دموية برزت طلائعها في هجمات شهدتها أرياف حلب من خان طومان إلى حندرات، ومجازر بحق المدنيين كما حدث في بلدة زارة قرب حماة. والسياق الذي يحكم جولة التصعيد هو وفقاً للمصادر المتابعة للوضعين السياسي والعسكري في سورية السعي لفرض وقائع جديدة تستبق انعقاد لقاء فيينا المرتقب الثلاثاء المقبل، لوزراء خارجية دول مسار فيينا المعنية بالأزمة في سورية، لمناقشة التفاهم الروسي الأميركي حول إحياء الهدنة والمسار السياسي في جنيف، والقائم بصورة رئيسية على الفصل بين مواقع ومناطق سيطرة «جبهة النصرة» كتنظيم إرهابي مستثنى من الهدنة، ومواقع ومناطق سيطرة الجماعات المنضوية ضمن جماعة الرياض المعارضة، وهو ما ترفضه الرياض وأنقرة وتصرّان على التمويه على وضع «النصرة» ودمجها ولو بالالتفاف والتمييع والتعجيز، وكسب الوقت، وتصعيد النيران، والمتاجرة بالملفات الإنسانية. وتتوقع المصادر المتابعة أن يكون الاجتماع حاسماً لجهة أنّ ما بعده إما جولة حرب قاسية وانهيار مسار جنيف، أو تفاهمات تمنح الفرصة لإقلاع المسار السياسي في جنيف من ضمن التفاهم على الحرب ضدّ «داعش» و»النصرة».

في هذه اللحظة السورية الدقيقة التي يشكل حزب الله أحد مكوناتها الرئيسية، أطلّ الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله، ليرسم قواعد الاشتباك التي تعتمدها المقاومة في مواجهة ما تشهده المنطقة، وتشكل المقاومة رأس استهدافاته، ويضع قواعد التحالفات اللبنانية للمقاومة في الانتخابات البلدية بما يخدم الرؤية الأشمل للمقاومة في قلب الحرب المفتوحة التي تخوضها، ومن ضمن سياقاتها الرهان على الفتن والسعي لفكفكة جمهور المقاومة، وبالمقابل شدّ عصب واستنهاض عصبيات شعبية عدائية ضدّها.

قواعد الاشتباك حدّدها السيّد نصرالله، بالصمود بوجه حرب استنزاف يقف الأميركي وراءها مباشرة، وتشكل تنظيمات من نوع «داعش» و»النصرة» أدواتها، وهي حرب مبرمجة منذ زمن لتعويض الخسائر التي مُني بها الأميركي و»الإسرائيلي» من حروبهما المباشرة، والنصر في هذه الحرب يستدعي رسم سقوفها الحقيقية، فهي ليست حرب اجتهادات في الدين، ولا حرب مذاهب، ولا حرب خيارات بين أصحاب مشاريع متنافسة، إنها حرب أميركا و»إسرائيل» بالوكالة، ونقطة تفوّق المقاومة التي لا يجوز جعلها تتدحرج إلى خلف المشهد الراهن هي حقيقة الحرب، واتصالها بمواجهة بين خياري الاحتلال والمقاومة وعنوانها واحد هو فلسطين، ولأنهم يريدون هزيمة المقاومة لتأبيد الاحتلال تبقي المقاومة فلسطين حاضرة على خارطة حربها في السياسة والميدان.

بهذا السلاح تواجه المقاومة الحرب الناعمة وآلياتها، فاستحضار فلسطين إلى الصفحة الأولى من المشهد وحده يعيد ترتيب الأولويات، وينسّق خطوط الحرب ويسقط الادّعاءات ويفضح الأكاذيب، ويجهض الفتنة. ولخدمة هذه المنهجية تتصرّف المقاومة، وفي الداخل اللبناني يترجم حزب الله هذا التصرف انتخابياً وفق معادلة لا تحالفات مع خصوم المقاومة، ولا تجاوب مع مساعيهم لاستخدامها رافعة لاستنهاض جمهورهم للفتنة، ولا خوض في مغامرات انتخابية غير محسوبة يزيّنها الحلفاء أو بعض إغراءات اللوائح المنافسة. ومع الحلفاء المقاومة أصل الوفاء، لكنها ليست بلوكات انتخابية صالحة للتجيير، فكلّ شيء بحساب والحساب دقيق، والأصل كيف سيقرأ أصحاب الحرب الناعمة نتائج حروبهم بعد شهور طويلة من اختبارها، سواء لاستنهاض جبهات تقاتل المقاومة أو لتفتيت وإنهاك وإضعاف جمهور المقاومة؟

لبنانياً، أيضاً تتجه الأنظار انتخابياً نحو جونية وطرابلس، حيث تستعدّ عاصمة كسروان لتوجيه ضربة قاسية إلى تحالف التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية بعدما نجح التنافس بين اللائحتين الموزعتين على ضفاف الخصومة بين الطرفين باستعادة التوتر الذي زال بينهما بعد إعلان التفاهم والمصالحة، بينما تستعدّ عاصمة الشمال لانتخابات يستنجد فيها تيار المستقبل بالتحالفات التي توّجها لقاء الحريري بالرئيس نجيب ميقاتي على دعوة عشاء من الرئيس تمام سلام.

نصرالله للحلفاء: ملتزمون معكم لا مع حلفائكم

لا تزال تداعيات الانتخابات البلدية في مرحلتها الأولى في بيروت والبقاع تطغى على المشهد الداخلي وسط اتهامات متبادلة بين بعض الأطراف على خلفية عدم الالتزام بتعهداتها في التصويت للّوائح لا سيما بين حزب «القوات» وتيار المستقبل، بينما تستعدّ محافظة جبل لبنان إلى انتخابات الأحد المقبل.

المشهد الانتخابي في بيروت والبقاع استعرضه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في احتفال بمناسبة يوم الجريح المقاوم. و قال: «إلى كل حلفائنا نحن ملتزمون معكم سياسياً وأخلاقياً وأدبياً، لكننا لسنا ملزمين بمن تتحالفون معهم»، وأضاف «نحن حزب الله لسنا متحالفين مع خصم سياسي إنما مع حلفائنا. مع من لم يسئ إلينا أو يعتدِ علينا».

وحول انتخابات بيروت، لفت نصرالله إلى «أننا لم نتحالف مع تيار المستقبل في بيروت رغم مشاركة حلفائنا لأنه خصم سياسي وعزفنا عن بيروت، لأننا لا نريد أن نكون في مواجهة ولا يمكننا أن نجمع بقية اللوائح بلائحة واحدة ولأن فرصة الفوز صعبة»، موضحاً «نحن لا نريد أن نحمل جمهورنا وقواعدنا ما لا يطيقون، جرّبنا سابقا ودفعنا الثمن وهناك قوى دفعت هذا الثمن اليوم». وأعلن عن انتخابات جبل لبنان، «أننا شكلنا في الضاحية لوائح تحالف حزب الله وحركة امل والتيار الوطني الحر وبقية الأحزاب الصديقة بالتفاهم مع العائلات والناس سُمّيت بلوائح الوفاء والتنمية والإصلاح».

وعلى صعيد آخر، أوضح السيد نصرالله أن «داعش جيء به ليقاتل الجمهورية الإسلامية في إيران والتحول في العراق والنظام المقاوم في سورية وليس فقط تدمير حزب الله». وشدّد على أن «المشروع الإرهابي مهزوم ولم يستطع أن يحقق أهدافه ولن يستطيع».

أعاد الأمور إلى نصابها السياسي

وشددت مصادر في 8 آذار لـ«البناء» أن «كلام السيد نصرالله جاء قطعاً لدابر اللغط والعبث الذي رافق الانتخابات البلدية لا سيما في زحلة وأقل نسبة في بيروت، ولأن حزب الله حريص على حلفائه ويتعامل بمعايير أخلاقية مع الحلفاء والخصوم وبناء على القواعد الراسخة التي عمل الحزب على هديها. كان السيد حريصاً على بعث رسالة واضحة لكل الأقلام ومواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الهمس السياسي والتي حاولت أن تحمّل موقف الحزب أكثر مما يحتمل وصولاً إلى حدود التشكيك في معايير العلاقة التحالفية وتجسيداتها، وتحديداً بين الحزب والتيار الوطني الحر. جاء هذا الإيضاح الحاسم والواضح والقاسي من السيد نصرالله بهدف إعادة وضع الأمور في نصابها السياسي تجاه الحلفاء كما تجاه الخصوم».

..ومعركة في جونية

يبدو أن جونية ستشهد معركة حامية بين لائحتين: الأولى برئاسة فؤاد البواري المدعوم من ائتلاف يضم النائبين السابقين منصور غانم البون وفريد هيكل الخازن ورئيس مؤسسة الانتشار الماروني نعمة افرام والوزير السابق فارس بويز، والثانية برئاسة جوان حبيش مدعومة من «التيار الوطني الحر» وحزبي الكتائب والوطنيين الأحرار.

واعتبر حبيش رئيس لائحة «كرامة جونية»، أن «التوافق لم يتم على الرغم من أنه قدّم تنازلاً وانسحب. علماً أن المجموعات الشبابية وعند إعلان نيّات التوافق، رفضته كما رفضت «فرض» لائحة محاصصة غير متجانسة مطالبة بعملية انتخابات ديموقراطية تحاسب فيه مَن لم يقم بواجباته في الخدمة العامة».

.. ولقاء «انتخابي» بين الحريري وميقاتي

أما على صعيد انتخابات الشمال، فبدأت ملامح تحالف انتخابي يلوح في أفق طرابلس بين الرئيسين سعد الحريري ونجيب ميقاتي، حيث عقد لقاء بينهما أمس، في دارة رئيس الحكومة تمام سلام. وتمّ البحث خلاله في آخر التطورات لا سيما ملف الانتخابات البلدية في طرابلس.

تعاميم مصرف لبنان تفاقم الأزمة

ومن جهة ثانية، وفي أول موقف لحزب الله حيال التعاميم التي أصدرها حاكم المصرف المركزي رياض سلامة وفقاً للقانون الأميركي، اعتبرت كتلة الوفاء للمقاومة أن «القانون الأميركي الذي صدر مؤخراً وتلتزم المصارف اللبنانية العمل بموجب أحكامه مرفوض جملة وتفصيلاً، لأنه يؤسس لحرب إلغاء محلية يسهم في تأجيجها المصرف المركزي وعدد من المصارف، فضلاً عن كون الالتزام به مصادرة للسيادة اللبنانية النقدية».

ورأت أن «التعاميم التي أصدرها أخيراً حاكم المصرف المركزي، هو انصياع غير مبرر لسلطات الانتداب الأميركي النقدي على بلادنا، ومن شأنها أن تزيد تفاقم الأزمة النقدية وتدفع البلاد نحو الإفلاس بسبب ما سينتج من قطيعة واسعة بين اللبنانيين والمصارف، الأمر الذي يعرّض البلاد لانهيار نقدي خطير ولفوضى عارمة غير قابلة للاحتواء». ودعت «الكتلة» حاكم المصرف المركزي إلى «إعادة النظر في تعاميمه الأخيرة لتتوافق مع السيادة الوطنية، وطالبت الحكومة باتخاذ الإجراءات المناسبة لتلافي التداعيات الخطرة التي ستنجم عنها».

سلامة شاور المسؤولين مسبقاً

وأكدت مصادر مطلعة لـ«البناء» أن «حاكم مصرف لبنان شاور المسؤولين السياسيين الكبار في الدولة والمعنيين قبل إصداره التعاميم لا سيما وزير المالية علي حسن خليل»، موضحة أن «حاكم المصرف المركزي لا يخطئ التقدير ولا يتسرّع بملفات حساسة ودقيقة كهذا الملف، وبالتالي لا يصدر قرارات فردية من تلقاء نفسه».

.. وخسمة لبنانيين قيد التوقيف

وعلمت «البناء» من مصادر أخرى أن «خمسة رجال أعمال لبنانيين قيد التوقيف في ألمانيا وفرنسا على خلفية القانون الأميركي، لكن لا علاقة لهم بحزب الله بل تم توقيفهم على خلفية انتمائهم الطائفي».

ولفتت المصادر إلى أن «القانون الأميركي وتعاميم المصرف المركزي تندرج في إطار الحرب الناعمة على حزب الله لإحداث مزيد من الشرخ في الجسد اللبناني الداخلي، إذ لا يمكن رسم خيوط بين تضرر وطن ومؤسسات وبين تضرر حزب لبناني كحزب الله».

جلسة حكومية بلا مقررات

حكومياً، عقد مجلس الوزراء جلسة عادية في السراي لم تخرج بأي مقررات وتمّ تأجيل بند العقد الموقع بين الدولة اللبنانية والشركة المتعهّدة معمل دير عمار، بسبب الخلاف حوله بين الوزراء، كما طلب الرئيس سلام إرجاء جميع الملفات الحساسة والتي تثير الخلافات إلى ما بعد انتهاء الانتخابات البلدية، وأبرزها أزمة جهاز أمن الدولة، بينما حضر موضوع التدابير المتخذة من المصارف بناء على تعاميم مصرف لبنان تطبيقاً لقانون العقوبات الأميركي على حزب الله، ودار نقاش بين الوزراء وتم الاتفاق على أن يتابع سلام الأمر مع حاكم مصرف لبنان بالتنسيق مع وزير المال.

حكيم لـ«البناء»: خلاف على جنس الملائكة

وقال وزير الاقتصاد ألان حكيم لـ«البناء» إن «سبب تأجيل موضوع دير عمار هو عدم التوافق في مجلس الوزراء عليه بعد معارضة الوزير خليل»، وأوضح حكيم أن «هذا المشروع مصلحة عليا للدولة وعبارة عن خطة تغذية لبنان بالكهرباء، وهذا أهم من مواضيع أخرى كموضوع ضريبة القيمة المضافة». وأشار إلى أن «أكثر من ثلثي مجلس الوزراء كان موافقاً على هذه الخطة الحيوية، لكن للأسف النقاش تحول خلافاً على جنس الملائكة».

وحذر حكيم من «خسارة لبنان الكثير من الأموال نتيجة عدم تطبيق الخطط الاقتصادية لا سيما تلزيم مصنع دير عمار ما يضع لبنان على لائحة التصنيف العالمية في مستواه الاقتصادي». وتساءل: «هل نريد الذهاب إلى التحكيم الدولي وتكليف الخزينة أموالاً طائلة كما حصل في موضوع الخلوي والذي كلف الخزينة 800 مليون دولار نتيجة التحكيم؟». وشدّد على أن «الموضوع سياسي بامتياز لا مالي أو تقني».

وشدد الوزير خليل على أن موقفنا واضح في مجلس الوزراء من موضوع دير عمار، وهو أننا لن نسمح بمخالفات للقانون ولن نغطي صفقات.

إجماع حكومي على رفض المسّ بأي طائفة

وقالت مصادر وزارية لـ«البناء» إن «حزب الله طرح هواجسه وهمومه ومخاوفه للقرار الأميركي على طاولة مجلس الوزراء، وأعلن رفضه للقرار ولتعاميم المصرف وحذر من تداعياته المالية على لبنان وانتقد طريقة تصرف المصرف المركزي وحاكمه حيال الأمر. وحصل نقاش طويل ليخرج المجلس بإجماع الوزراء على رفض المسّ بأي طائفة من الطوائف من أي جهة كانت، لكن شدد في المقابل على ضرورة احترام لبنان للقوانين الدولية، لينتهي النقاش بالطلب من سلام وخليل متابعة الموضوع مع حاكم مصرف لبنان».

المطلوب موقف حاسم وواضح

وانتقدت مصادر معنية موقف الحكومة حيال هذا الموضوع الهام، معتبرة أنه لم يرق إلى المستوى الخطير الذي تحمله هذه التعاميم والقرار الأميركي قبلها.

وأضافت: «على رغم موقف مجلس الوزراء الرافض للمسّ بأي من الطوائف، لكن هناك مكوّن سياسي لديه وزراء ونواب وأحد أهم الروافع الوطنية أي حزب الله هو المستهدف وليس الطائفة الشيعية. وكان السيد نصرالله قد تحدث سابقاً عن حالة الهلع والخوف والخضوع أمام أميركا، لذلك لا يمكن لمجلس الوزراء أن يضعها في بعدها الطائفي فقط».

وأشارت المصادر إلى أن «التضامن الحقيقي يكون من خلال موقف وطني عام واضح وشفاف يرفض التعرّض لحزب الله، فالحزب لا يطلب أن يخرج لبنان عن القوانين الدولية لكن في الوقت نفسه لا يمكن التنصل من الثوابت الوطنية التي أملت على وزيري الخارجية جبران باسيل والداخلية نهاد المشنوق في اجتماع وزراء الخارجية والداخلية العرب في اتخاذ موقف متمايز عن الإجماع العربي، حرصاً على الوحدة الداخلية وعلى الحكومة أن تستوحي موقفها حيال هذا الأمر من وحي الدقة والحساسية والتوازنات التي أُخذت بعين الاعتبار في موقف لبنان بالجامعة العربية».