جرائم “الحروب السرية” : “وكالة الإستخبارات المركزية” الأميركية / CIA تقتل المدنيين … عن بعد؟

جرائم “الحروب السرية” : “وكالة الإستخبارات المركزية” الأميركية / CIA تقتل المدنيين … عن بعد؟

قدم الباحث الهندي شيللي كاسلي / Shelley Kasli تقريراً مفصلاً عن عمليات التجسس السبراني التي تديرها "وكالة الإستخبارات المركزية" الأميركية/ CIA، لاختراق الحواسيب العامة والإستيلاء على بياناتها، في عمليات عدائية منظمة لانتهاك سيادة الدول، والعبث بحقوقها في الفضاء السبراني. ويشير كاسلي إلى شركات خاصة "مشهورة" في مجال البرمجيات، والأمن، والتسلح السبراني، مثل شركة ماتش كروس/ Cross Match الأميركية، ومجموعة أن.أس.أ./ NSO Group "الإسرائيلية" وغيرها. حيث تعمل هذه الشركات، عبر السلع التقنية التي تنتجها، "كأذرع" تتجسس للوكالة، على عشرات الدول حول العالم، من بينها الصين والهند وسوريا. 
جعل التطور التقني من التجسس السبراني أحد روافع "الحروب السرية" الأميركية. ومع أن تقارير صحفية وإستخبارية كثيرة في السنتين الماضيتين، وفرت معلومات هامة عن تجسس "سي.آي.إي/."CIA على دول أوروبية تعد من أكبر حلفاء الولايات المتحدة، إلا أن تقرير كاسلي يتأمل، بشكل ما، الجوانب العميقة في مفهوم "الحروب السرية" التي تدبرها وتديرها "وكالة الإستخبارات المركزية". وحسبما أوضح الأكاديمي الأميركي روبرت كينيدي/  Kennedy، مؤخراً، فإن هذه الحروب لصيقة بتاريخ وواقع السياسة الأميركية مع الدول العربية أيضاً. وهي تتمثل في جملة عمليات التخريب السياسي ـ الأمني، التي تشنها "سي.آي.إي"، بهدف إبقاء هذه الدول ضمن منظومة الهيمنة الأميركية، أو لإجبارها، إذا ما تمردت، على العودة إليها.
يعتبر مقال كينيدي الذي ظهر في Politico MAGAZINE، في آذار / مارس 2016، وثيقة سياسية (1) لا تكتفي بوصف تلك العمليات، وإنما تحلل أهدافها وبعض خلفياتها، لكي تدينها. ويشرح كيف أن "الحروب السرية" التي شنها جهاز الـ"سي.آي.إي" في الماضي ضد حركة القومية العربية، لأهداف جيوبوليتيكية، مثل ضرب الوحدة بين مصر وسوريا، أو لأهداف جيوطاقية، مثل تقوية الحكومات الرجعية في دول الخليج العربي، يشنها مجدداً على سوريا، اليوم. ويقول كينيدي إن السبب المباشر هذه المرة، كان رفض حكومة الرئيس بشار الأسد تنفيذ الخريطة الجيوطاقية الجديدة، التي حاول الأميركيون "إقناعها" بها. عندها أخذت واشنطن بممارسة الضغوط الناعمة على دمشق، بالإعتماد على قادة النظامين "الإخوانيين" الحاكمين في أنقرة والدوحة، قبل أن تنقلب هذه الضغوط حرباً دموية شاملة لإسقاط الجمهورية العربية السورية.
توخى كينيدي في مقاله، الذي تفضلت الأهرام المصرية بنشر ملخص مترجم عنه، تنوير المواطنين الأميركيين، الذين يتعرضون للتضليل من حكومتهم ـ التي تقول لهم أن العرب يكرهوننا ـ بحقائق السياسة الأميركية في الوطن العربي. كما أنه من خلال كشف بعض جرائم "وكالة الإستخبارات المركزية" ضد العرب، أراد أن يعطي مواطنيه إجابة شافية على السؤال المشروع : "لماذا يرفض العرب التدخل الأميركي فى سوريا؟.". 
غير أن مسألة "الحروب السرية" التي خططتها وأضرمتها "وكالة الإستخبارات المركزية"، تقع في إطار تاريخي واستراتيجي أشمل، يتعدى غاية مقال روبرت كينيدي. فهذه "الحروب"، التي وقعت ضد العرب أو غيرهم، كانت، ولم تزل، جزءاً من آليات منظومة الهيمنة الأميركية، التي "أثمرتها" الحرب العالمية الثانية، باعتبارها نظاماً دولياً جديداً، آنذاك، أوجب انتقال زعامة النظام الرأسمالي العالمي من أوروبا إلى الولايات المتحدة.
شَرَحَ أهداف ووقائع بعض هذه "الحروب"، وظروف "انتقال الزعامة"  تلك، الصحفي والمفكر العربي المصري محمد حسنين هيكل في ثلاثية الكتب الشهيرة : "ملفات السويس"، "سنوات الغليان"، الإنفجار". كما أن المفكر الأميركي نعوم تشومسكي تطرق إلى تكون منظومة الهيمنة الأميركية، في كتابه "ردع الديموقراطية "Deterring Democracy / (1991)، لكنه لم يتوسع في تعريف مسألة "الحروب السرية" ودورها في تحقيق الهيمنة، خصوصاً على الأمم المُضْطَهَدَة.
إن التاريخ المعاصر للعلاقات الدولية، وبالأخص تاريخ العلاقات العربية ـ الأميركية، غني بالشواهد والأدلة الكافية للحكم على طبيعة "الحروب السرية" التي تشنها "وكالة الإستخبارات المركزية"، بكونها نوعاً من حروب إرهاب الدولة المنظم. ويؤكد تقرير رايان غالاغر / Gallagher، عن القاعدة السرية “RAINFALL”، القائمة في قلب المناطق النائية الجرداء في شمال أوستراليا، أن هذا النوع من الإرهاب السري الأميركي، يستهدف كل الدول المستقلة التي تحصن وحدتها وسيادتها، وكذلك الأمم المضطهدة التي تسعى للتحرر والوحدة، بعيداً من هيمنة الولايات المتحدة.
حمل تقرير غالاغر المنشور في "موقع الإعتراض" / the intercept، وهو موقع أميركي متخصص في الصحافة الإستقصائية، وأعاد نشره موقع الحقول أيضاً، عنواناً لافتاً : "المركز الأميركي الرئيسي للتجسس في قلب أوستراليا". ويقول أن قاعدة “RAINFALL”، هي محطة أرضية هامة للتحكم بالأقمار الأميركية للتجسس ومراقبة الاتصالات عبر عدد من القارات. وقد أعد التقرير بالتعاون مع "هيئة الاذاعة الاسترالية"، التي بثته  يوم الأحد 20 آب / أغسطس الماضي.
تتكامل وظيفة هذه البنية التكنو ـ أمنية المعروفة باسم راينفل/ “RAINFALL”، من قلب أوستراليا، مع وظيفة القاعدة التجسسية الأميركية الثانية الموجودة في بريطانيا، وهي قاعدة مينويثهيل/ Menwith Hill، في يوركشاير، شمال شرق بريطانيا. وتضيف الوثائق التي استند إليها التحقيق، أنه منذ عام 2005، بات المدى الجغرافي التجسسي لقاعدة "مينويث هيل"، يوفر للإستخبارات الأميركية تغطية مستمرة لمعظم قارتي أوراسيا وافريقيا.
وبعد رفد
"مينويث هيل" بمجموعة أقمار جديدة، باتت قدراتها التجسسية والإستخبارية، تشمل أراضي الاتحاد السوفياتي السابق، والصين، وجنوب آسيا، وشرق آسيا، وـ ما يسمى ـ الشرق الأوسط، وأوروبا الشرقية، والأقاليم في المحيط الأطلسي. وتتميز هذه الأقمار بأنها مزودة بتقنية تجسس على الأفراد والدول. لأنها ترصد كل الاتصالات اللاسلكية التي ترسلها وتتلقاها الهواتف المحمولة، وأجهزة الإتصال الأخرى، ووصلات الإتصال بالأقمار الصناعية من على الأرض. كما تسجل الاتصالات العسكرية والعلمية والسياسية والاقتصادية، بما في ذلك مراقبة اختبارات الصواريخ واختراق الحواسيب العسكرية لعدد من الدول، وتقديم الدعم لقوات الغزو الأميركي.
بفعل هذه البنى التكنو ـ أمنية المتطورة التي أنشأتها على أراضي الدول "الحليفة"، ويديرها جنود وضباط "وكالة الإستخبارات المركزية" وبقية الجيوش الإستخبارية والأمنية لديها، صار إرهاب الدولة المنظم الذي تشنه الولايات المتحدة الأميركية، يتعدى انتهاك سيادة الدول والقوات النظامية الأجنبية، إلى استهداف حقوق وأمن الأفراد أيضا. ويكذِّب هذا المتغير السياسي ـ الحقوقي ادعاءات النخب السياسية والثقافية الحاكمة في واشنطن ـ وآخرها بمواجهة حكومة جمهورية مصر العربية ـ بأنها حريصة على حقوق الشعوب، أو أنها "تحمي" حقوق الإنسان.
ينعدم الأمن السبراني والفيزيائي الفردي بسبب الأطماع الأميركية إلى "الهيمنة العالمية". فـ"الحروب السرية" التي تخوضها "وكالة الإستخبارات المركزية"، عبر منشآت التجسس والرصد والمراقبة الفضائية والأرضية، قيدت حريات الأفراد ووضعت كيانهم الفيزيائي، أي أجسادهم، في مرمى الأسلحة الأميركية. لقد درس ريتشارد تانتر / Tanter، الأستاذ في جامعة ملبورن / Melbourne في أوستراليا، مع آخرين، الوثائق التي حصل عليها  "موقع الإعتراض/ "the intercept، عن الوظائف التجسسية التي تؤديها القاعدة السرية  “RAINFALL”.
ويقول تانتر : إن هذه القاعدة، تستطيع ضمن مدى عملها، أن تعين الموقع الجغرافي للهواتف الخلوية، بحسب أرقام الهواتف، كما تكشف محتوى الإتصالات التي يجريها الأفراد الذين يحملونها، وهي تعطي الجيش الأميركي إحداثيات الموقع الجغرافي لهؤلاء الأفراد في الزمن الحقيقي، بما يسمح لقواته باستهدافهم أي قتلهم.
استعان غالاغر بمصادر صحفية أوسترالية منشورة منذ عام 2013، أي في عهد الرئيس الأميركي السابق "الديموقراطي" باراك أوباما، بشأن دور القاعدة السرية  “RAINFALL”, وقد أفادت بأن الغارات الجوية التي تنفذها القوات والإستخبارات الأميركية بالطائرات من دون طيار، بذريعة مكافحة الإرهاب، قد أزهقت ارواح آلاف المدنيين في باكستان وأفغانستان واليمن والصومال خلال السنوات العشر الماضية.
يجب أن نضم إلى قائمة ضحايا "الحروب السرية" الأميركية، آلاف المدنيين في سوريا والعراق، الذين قتلتهم غارات الطائرات الأميركية، منذ إعلان أوباما المذكور عن إنشاء "التحالف الدولي لمحاربة الدولة الإسلامية/ داعش" في هذين البلدين العربيين، وحتى اليوم. ولكن في قائمة المجرمين لا بد أن ندرج بجانب إسم الولايات المتحدة الأميركية، أسماء بقية دول "تحالف العيون الخمسة"، وهي : بريطانيا، كندا، أستراليا، نيوزيلندا، التي تأوي وتحمي منصات وأدوات "الحروب السرية" الأميركية.    
يتوقع غالاغر أن يتضاعف عدد هؤلاء الضحايا الأبرياء مع إدارة الرئيس الأميركي (الجديد) دونالد ترامب، الذي يحبذ تكثيف [ارتكاب جرائم] قتل المدنيين عن بعد. وهذا التوقع، صائب، لكنه لا يتوقف على شخص ترامب أو أي رئيس سواه وحسب. فالولايات المتحدة الأميركية بحسب تقييم أوردته صحيفة "فايننشيال تايمز" قبل أسبوعين، أصبحت تمثل "خطراً على السلم العالمي"، بعد أن دخلت كما يقول إيمانويل فاليرشتاين/ Wallerstein في طور الإنحطاط، وباتت في مرحلة خسران "الزعامة الإقليمية والدولية". في هذه المرحلة حيث تعجز واشنطن عن إشباع أطماعها الإمبريالية إلى الهيمنة العالمية، ستكون "وكالة الإستخبارات المركزية" جاهزة لنشر الإرهاب المنظم، وإهراق دماء الكثير من المدنيين الأبرياء بنيران "الحروب السرية". وما نشهده في سوريا واليمن وليبيا والعراق سوف يتسع ليشمل بلداناً أخرى. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وما يمنح المقال هذه الصدقية، أن الكاتب هو مثقف أميركي، عانى في ذاته وفي أسرته من جرائم القتل، لأن كلاً من والده السيناتور روبرت كينيدي، وعمه الرئيس جون كينيدي أرديا بالرصاص في مؤامرات اغتيال مدوٍ. يتحدث كينيدي بالتفصيل عن هذه الحروب السرية التي شنتها "وكالة الإستخبارات المركزية" ضد الأمة العربية، لا سيما دولتي سوريا ومصر اللتين كانتا في حال حرب مع "إسرائيل". وكيف حركت "الوكالة" الإنقلابات العسكرية، كما وقفت وراء الجرائم الإرهابية التي كانت تنفذ عبر منظمات "الإخوان" والجماعات التكفيرية. لأن ساسة واشنطن، كما يقول كينيدي، مع كل لغوهم عن قيم الحرية للشعوب، فإنهم فرضوا على العرب المبدأ الكولونيالي التقليدي الذي كان حرمهم بعد الحرب العالمية الأولى، من ممارسة حق تقرير المصير وإقامة الدولة ـ الأمة. أبدى كينيدي في المقال اهتماماً مركزاً على جرائم الإرهاب والقتل التي ينفذها، منذ عام 2011، في سوريا "أحفاد" أولئك المجرمين، تحت شعارات طائفية مذهبية، بدعم، طبعاً، من "وكالة الإستخبارات المركزية".
مركز الحقول للدراسات والنشر
الخميس، 31 آب 2017
أول تحديث 09:49، الخميس، 31 آب/ أغسطس 2017
ثاني تحديث 14:04، الجمعة، أول أيلول/ سبتمبر 2017
التحديث الأخير 21:15، الجمعة، أول أيلول/ سبتمبر 2017 

الشؤون العربية » Homepage Slides » أهم المقالات » مقال