2026-11-06
Alhoukoul
دوت بويَّار : حركة فرنسا الأبية، ترى أن بلادنا تعيش استقطاباً سياسياً داخلياً ثلاثياً

دوت بويَّار : حركة فرنسا الأبية، ترى أن بلادنا تعيش استقطاباً سياسياً داخلياً ثلاثياً

تعطي استطلاعات الرأي المرشح الرئاسي ميلانشون المركز الثاني في عدد الأصوات. هذا شيء جديد في فرنسا.

ننادي بأن تكون السياسات الدفاعية الفرنسية مستقلة. ألا توضع شؤوننا الدفاعية بيد الإتحاد الأوروبي.


06-11-2026

الحقول ـ خاص / بيروت : برزت فرنسا إلى صدارة المشهد الأوروبي والعالمي في الأيام الأخيرة، مع تصاعد الحراك الشعبي الإحتجاجي وانتشاره معظم أنحاء البلاد. ولا تقلل الفوضى التي رافقته وأعمال العنف المتبادل بين المتظاهرين والشرطة، من أهمية هذا الحراك وتأثيره في الفضاء الأوروبي. لقد انطلقت حركة الإحتجاج من ثانويات الضواحي المحرومة في ايلول / سبتمبر 2026، ثم امتدت مذاك إلى الجامعات، واجتذبت النقابات العمالية، حتى وصلت إلى مرحلة الإضراب العام في 5 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري.

و"تتهم" وسائل الإعلام والصحافة اليمينية حركة فرنسا الأبية بتنظيم الإحتجاجات وتسيير التظاهرات أعمال قطع الطرق وتعطيل الحركة العامة، في حين أن الدعوات إلى التظاهر والإضراب، تتعدى كثيراً إطار "فرنسا الأبية". بيد أن هذه الحركة التي يتزعمها السياسي البارز جان لوك ميلانشون، تشغل موقعاً محورياً في الديناميات السياسية الراهنة في فرنسا. إذ تشير الإحصاءات إلى أن شاباً واحداً من كل اثنين من الشباب الفرنسي، يقول بأنه مستعد للتصويت لمرشح حركة فرنسا الأبية، في الإنتخابات الرئاسية القادمة في أيار/ مايو 2027. كما أن هذه الحركة الفتية باتت قادرة على تأهيل مرشحها إلى الدورة الثانية في الإنتخابات المنتظرة.  

وفي محاولة لسبر أغوار المستقبل الفرنسي من وجهة نظر القوة اليسارية الأساسية، حركة فرنسا الأبية التي يقودها السيد جان لوك ميلانشون، أجرينا هذا الحوار مع عضو ومنسق مجموعة العمل الخاصة بحركة فرنسا الأبية في لبنان، الدكتور نيكولا دوت بويَّار، في بيروت :



لو نبدأ بوصف الوضع الاجتماعي والاقتصادي الآن في فرنسا وفي عموم أوروبا لأنه حسب كل التقارير الصحفية، فإنه يتسم بالتراجع والتأزم، بالمقارنة مع مرحلة الصعود الازدهار في السابق. تفضل.

ـ صحيح. الوضع الاقتصادي في فرنسا، لا يمكن بالطبع، مقارنته بالوضع الاقتصادي في لبنان. لأن فرنسا مثل كل الدول الغربية في أوروبا وفي الولايات المتحدة، تعيش في أزمة اقتصادية، لم تبدأ للتو، إنما بدأت مع السياسات النيوليبرالية في منتصف التسعينيات بل في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي. مثلاً، من زمان هناك في فرنسا هجمات ضد مؤسسة الضمان الاجتماعي وضد نظام التقاعد ضد المستشفيات والخدمات العامة.

في الوقت الراهن، الحرب بين روسيا وأوكرانيا أسفرت عن نتائج سلبية في فرنسا، خصوصاً ارتفاع اسعار الوقود. ونحن أمام أزمة اقتصادية كبيرة. لذلك، نرى حركة تظاهرات الطلاب التي نتابع أخبارها اليومية، والتي تم التحضير لها منذ الشهر الماضي. وستنضم إليها كذلك حركة "السترات الصفراء" الجديدة.

منذ سنتين كان سعر ليتر واحد من البنزين في فرنسا يساوي واحد يورو. في الوقت الراهن، ارتفع إلى ثلاثة يورو اللتر، أي أنه تضاعف ثلاث مرات. طبعاً، لدينا بطالة في سوق العمل ألخ. تاريخياً، كان في فرنسا دولة كبيرة، قوية، حتى مع الجنرال ديغول أو مع اليمين التقليدي، كانت الدولة ترعى مؤسسة الضمان الاجتماعي ونظام التقاعد. لقد كانت "دولة الرعاية الإجتماعية".

هذه الدولة ومؤسساتها الإجتماعية وقعت في أزمة. وفي نفس الوقت، لدينا أزمة نظام. ليس على المستوى الإقتصادي وحسب وإنما على المستوى السياسي أيضاً. الناس لم يعد لديهم ثقة بمؤسسات الدولة.


سنعود إلى مسؤولية النظام السياسي فيما يخص الأزمة من النواحي الاقتصادية والمالية، تحديداً. لكن هل يمكننا التوسع في شرح أسباب الأزمة، لأن القول أن النيوليبرالية هجمت على "دولة الرعاية الإجتماعية"، يعطينا تفسيراً عاماً وحسب.

ـ نعم، هناك نتائج مباشرة للحرب بين روسيا وأوكرانيا. مثلاً، على قطاع الكهرباء وارتفاع الكلفة على المستهلكين. كذلك، الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأميركية والوضع في باب المندب ومضيق هرمز. هذه الحروب تترك آثاراً سيئة وكبيرة، يومياً، على مصالح كل العمال الفرنسيين.


لكن الفقر كان ينتشر في فرنسا منذ عام 2020 أو عام 2019. ومن قبل الحرب على إيران، سجلت زيادة في أعداد الفقراء في عموم أوروبا. وكان لافتاً أنه بينما كان عدد الفقراء في فرنسا يرتفع، كانت الحكومة تسعى في نفس الوقت، إلى وضع قانون الثروة كما طرحت جملة قوانين أخرى ليست في صالح العمل والعمال والموظفين.

ـ أجل. إنما من جهتي أرى أن الأسباب سياسية. لماذا يوجد فقراء، لأنها مسألة قرار سياسي بشأن كيفية تنظيم وإدارة العلاقة بين العمل ورأس المال. وهذه إشكالية تاريخية معروفة. يوجد في فرنسا الكثير من الغنى ومن الأغنياء أيضاً. هناك البرجوازية الكبيرة التي تضاعف جمع المال منذ زمن بعيد.

بالتوازي، نجد أن عامة الناس، ولا سيما العمال يخسرون مداخيلهم. كما خسروا كثيراً من الدعم الإجتماعي، مثل حقوق الضمان والإستشفاء. وباتوا يحتاجون يومياً إلى دفع المزيد من المال من دون أن يكون بحوزتهم. وهذه مسألة قرار سياسي، لأن فرنسا تحسب اقتصادياً من ضمن البلدان الغنية مثل ألمانيا وإيطاليا، ولكن هناك قرار سياسي لصالح الأثرياء والبرجوازية الكبيرة. وهذه، برأيي، هي المشكلة الأساسية.


يوجد في السياق السياسي انقسام تقليدي بين اليسار واليمين في فرنسا. وبرنامج اليمين معروف. فماذا عن برنامج اليسار؟. وهذا السؤال لا بد من طرحه والإجابة عليه، من أجل فهم آفاق الوضع الراهن.

ـ أولاً، تشهد فرنسا وضعاً جديداً، فلا يوجد انقسام، اليوم، بين اليسار واليمين. نحن في حركة فرنسا الأبية، نرى أن بلادنا تعيش استقطاباً سياسياً داخلياً ثلاثياً / Tripolarisation. ما معنى هذا المفهوم. معناه أن المجال السياسي الفرنسي، منقسم بين ثلاث قوى وكتل انتخابية :

لدينا، أولاً، اليمين المتطرف، الذي يمثله حزب التجمع الوطني الذي بات ذو نفوذ كبير في الفترة الحالية. هذا ليس اليمين التقليدي. حزب مارين لوبن حظي بتأييد أكثر من 30 بالمئة من الأصوات في الانتخابات الفرنسية. ولكن في الدورة الثانية يمكن أن ترتفع هذه النسبة حتى 50 بالمئة.

ثانياً، هناك الوسط المتطرف أيضاً، من حيث السياسات الإقتصادية والسياسية التي تؤلف أساس برنامجه. ونقصد الرئيس إيمانويل ماكرون. وهذا الوسط يضم أشخاصاً جاؤوا من اليمين، من الحزب الإشتراكي. لماذا نصفه بالوسط المتطرف، اليوم، لأنه يتبنى الرؤية النيوليبرالية المفرطة في الإقتصاد. كما أنه على المستوى الدولي يؤيد الولايات المتحدة بنسبة مئة في المئة.

يتكون اليمين الوسط المتطرف من حزب الرئيس ماكرون، الذي بات يحمل إسم حزب النهضة. وتأثيره ليس حاسماً في تقرير مصير الإنتخابات. لأن الكتلة الإنتخابية لهذا الحزب تراجعت، اليوم، بالمقارنة مع حجمها السابق. وذلك، بالتوازي، مع تنامي كتلة اليمين المتطرف في البرلمان الفرنسي، وتعاظم حجم القوة الإنتخابية لحركة فرنسا الأبية والكتلة اليسارية. اليمين الماكروني في مأزق بسبب تراجع قوته، رغم الدعم الذي يأتيهم من الإشتراكيين وأوساط يمينة أخرى. أما بقايا الجمهوريين، فهم اليمين التقليدي، وقد تقلصت قوتهم في هذه المرحلة، باتوا قوة ضعيفة.

طبعاً من الممكن أن نكون قد لاحظنا، بروز خلافات بين الرئيس ماكرون والرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكن السياسيين الفرنسيين من كتلة الوسط رغم كل هذه الخلافات، واقفون في صف كتلة الدول الغربية في كل ملفات السياسة الدولية.


ماذا عن اليسار؟

ـ ثالثاً، في المجال السياسي الفرنسي الذي يشهد، كما قلنا، استقطاباً سياسياً داخلياً ثلاثياً / Tripolarisation، هناك كتلة اليسار وفيها، تبرز، أولاً، حركة فرنسا الأبية منذ عام 2017. قبلها، كان يوجد ما يسمى جبهة اليسار. وكان حزب اليسار بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من جبهة اليسار. وهذه الجبهة كانت بدورها طرفاً في ائتلاف سياسي مع الحزب الشيوعي الفرنسي ومجموعات يسارية صغيرة. ثم تأسست حركة فرنسا الأبية عام 2016. لماذا. لأنه نشبت خلافات بين الحزب الشيوعي وميلانشون، بسبب الموقف من الحوار مع الحزب الاشتراكي.

فرنسا الأبية تختلف مع الحزب الاشتراكي على كل الملفات. بينما الحزب الشيوعي الفرنسى كان يريد ائتلافاً مع هذا الحزب لأسباب انتخابية وكان هناك اختلافات أخرى أيضاً. ثم إن ميلانشون كان يريد في تلك الفترة تأسيس حركة جديدة، حركة وليس حزباً. ولذلك، نرى أن فرنسا الأبية هي حركة وليست حزباً. فلا يوجد مكتب سياسي ولا لجنة مركزية، حتى النظام الداخلي لها يختلف كتيراً عن الأحزاب التقليدية.


ماذا نعني حركة. ما شكل التنظيم : شبكة. تجمع من عدة احزاب أو تيارات أم تحالف؟

ـ فرنسا الأبية لا ليست تحالفاً ولا حزباً إنها حركة. النظام الداخلي فيها فدرالي وتوافقي. كما قلت ليس ثمة مكتب سياسي ولا لجنة مركزية على راس الحركة أو التنظيم. هناك صيغة قيادية اسمها هيئة التنسيق التي تضم ممثلين من مجموعات العمل الناشطة في الميدان، المناضلين في الأحياء الشعبية. ممثلين عن مجموعات العمل على ملفات الدفاع، السياسة الخارجية، الزراعة ألخ. يتسم تنظيم حركة فرنسا الأبية بميزة أخرى، ألا وهي وجود ممثلين عن أحزاب في داخل القيادة، مثل حزب العمال المستقل، وهي مجموعة تروتسكية عضو في الحركة. كما قلت هناك مناضلين ولكن هناك جمعيات منضمة إلى الحركة. الأمر معقد قليلاً، كما يبدو لأول وهلة، لكن حركة فرنسا الأبية، هي نموذج جديد في التنظيم.


بماذا تتميز هذه الحركة سياسياً بل وايديولوجياً عن بقية القوى اليسارية مثل الحزب الشيوعي والمجموعات اليسارية الأخرى.

ـ المسألة الأولى، برأيي، نظرياً، هي أن أول سبب لتأسيس فرنسا الأبية، كان تأثير أزمة المشروع الشيوعي. أزمة الحزب الشيوعي في فرنسا، التي تعود إلى زمن سقوط الإتحاد السوفياتي، وهي أزمة فكرية على كل المستويات. أزمة شاملة. ثانياً، تأسيس حركة فرنسا الأبية تم تحت تأثير أزمة المشروع الاشتراكي الديموقراطي التقليدي أيضاً، التي تفاقمت من أيام الرئيس السابق فرنسوا ميتران. إذن، فشل الأحزاب الكبيرة مثل الشيوعيين والإشتراكيين. ثم إن المجموعات التروتسكية والماوية تبدو تنظيمات ميكروية من حيث الفعالية السياسية لشدة صغرها. لذلك، نرى أن هناك تداخلاً بين تأسيس فرنسا الأبية، وأزمة الحزب الشيوعي وأزمة الحزب الاشتراكي من عهد الرئيس السابق فرنسوا هولاند. ومساحة هذا التداخل السياسي كبيرة جداً.

المسألة الثانية، نظرياً، هناك التغير على مجال النشاط السياسي الذي نتحرك فيه، ألا وهو عالم الشغل أو التركيب الإجتماعي والمهني لسوق العمل. وهذا التغير الذي عرفته فرنسا يشمل كل دول العالم. في الستينيات والسبعينيات، كانت توجد مصانع تستخدم 3000 أو 4000 عامل. بينما نحن اليوم في زمن الـ Uberisation (هذا المفهوم مشتق من اسم شركة Uber التي فككت الكتلة العمالية القديمة التي كانت تعمل في سوق سيارات التاكسي، مع بعض الحقوق والحماية النقابية أو السياسية، واستبدلتها بكتلة عاملين جديدة مفردنة تماماً)، حيث أصبحت وحدات العمل أصغر، وظهرت البروليتاريا الجديدة المعدمة، لقد غيرت الـ Uberisation عالم العمل في فرنسا كلياً.

في نفس الوقت نجد أن وجه فرنسا قد تغير بدوره، بفعل ـ ما يسمى ـ الـ Créolisation (هذا المفهوم مشتق من اسم لغة Créole / الكريول المتشرة في البلاد التي خضعت للإحتلال الكولونيالي الأوروبي، في زمن الكولونيالية، وهي تكونت من لغة الكولونياليين الأوروبيين المهيمنة ولغة السكان الأصليين في البلاد التي خضعت لذاك الإحتلال). وحينما نقول أن فرنسا تعيش عملية Créolisation فالمعنى المقصود هو السياق الإجتماعي الذي جعل كتلة عاملة كبيرة من العمال أو الموظفين المهاجرين إلى فرنسا، يحملون الجنسية ويؤلفون جزءاً من القوة العاملة الفرنسية. وهم قدموا من البلاد التي احتلتها جيوش فرنسا الكولونيالية، مثلاً، من إفريقيا، من تونس أو المغرب. والمقصود أنه بسبب الـ Créolisation، نرى كيف أن المجتمع الفرنسي القديم كان يضم سكان بيضاً كاثوليك منذ 60 ـ 70 سنة. أما اليوم، فإنه يتكون ليس من مسيحيين وحسب، وإنما من مسلمين أيضاً، ومن أشخاص يتحدرون من بلدان آسيا وإفريقيا.

إذن، السوسيولوجيا الفرنسية تغيرت. ولذلك، فإن اعتمادنا مفهوم Créolisation لوصف عملية التحول الجارية لا ينطوي على أي معنى عنصري، بالعكس فإنه يحمل دلالة إيجابية، لأنه يعبر عن التعدد الاجتماعي ـ السياسي والثقافي في فرنسا الجديدة. حركة فرنسا الأبية ينبغي عليها أن تأخذ بعين الإعتبار تغير التركيب الإجتماعي في سوق العمل، وأن تدرك التحولات الإجتماعية ـ السياسية التي يتضمنها مفهوم الـ Créolisation وتعبر عنها. وأن تنشط في إطار الروابط الجدلية والتكاملية بين مختلف هذه المكونات الإجتماعية التي لم تعد محصورة بالبيض الكاثوليك.

إنها فرنسا الجديدة. إذن، حركة فرنسا الأبية هي نموذج جديد وتجربة جديدة لمواجهة كل هذه التحولات السوسيوسياسية. نعم، تجربة لأن في الحركة أعضاء أتوا، كما قلنا، من التنظيمات التروتسكية أو الماوية، وكذلك من الحزب الشيوعي من تجربة الاشتراكيين الديموقراطيين. نحن نعمل على تمتين وحدتنا الأيديولوجية. مثلاً، نحن نناقش مسائل متعددة مثل طبيعة الرأسمالية في وقتنا الراهن، ونظريات الإقطاع التكنولوجي أو الإستبداد التكنولوجي الرأسمالي، طبيعة الإمبريالية المعاصرة. كما أن لدينا حوارات ومناقشات بشأن البرنامج السياسي، لدينا. هناك اختلافات طبعاً. نتيجة اختلاف المشارب الحزبية والأيديولوجية كما أشرت.


هل ستجري الإنتخابات الرئاسية والنيابية في أيار القادم وما هي  فرص فرنسا الأبية؟

ـ هناك ديناميكية كبيرة، الآن. نتائج استطلاعات الرأي، تعطي المرشح الرئاسي جان لوك ميلانشون المركز الثاني في عدد الأصوات. ومن المؤكد أن هذه النتائج، ستمكنه من المنافسة في الدورة الثانية من التصويت على منصب الرئيس. هذه ثورة. هذا شيء جديد في فرنسا.


ولكن كيف ستواجهون تحالف قوى اليمين في الدورة الثانية. فكما تعلمون فإنه بمجرد ظهور نتائج الدورة الأولى واقتراب اليسار من عتبة قصر الـ"كى دورسيه"، فاليمين سيدخل في ائتلاف لتشكيل كتلة انتخابية تعزز قوته، ماذا سيحدث في هذه الحالة.

ـ أجل، اليمين سيشكل كتلة في الدورة الثانية. هذا احتمال كبير. وهناك الكثير من المناقشات في فرنسا الأبية بشان هذا الموضوع. لأنه الآن لدينا قاعدة اجتماعية شعبية. ولكن من أجل الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة، يجب أن نتجه للعمل الطبقة الوسطى. لأنه من المستحيل علينا اجتذاب أي جزء من الكتلة الناخبة عند قوى اليمين التقليدي. مثل من ؟ دومينيك دوفيلبان. إنه بمفرده. ضعيف. لقد اختفى اليمين التقليدي. جزء منهم ذهب مع الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون والجزء الآخر ذهب مع اليمين المتطرف.


دعنا ننتقل إلى السياسة الخارجية نحن نعلم أن فرنسا كانت منذ زمن طويل من أكبر المستفيدين من المساعدات المالية الأوروبية، خاصة من قطاع الزراعة. اليوم، وسط هذه الأزمة الاقتصادية والمالية والإنتاجية الكبيرة التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي، ماذا لفرنسا أن تفعل؟

ـ من وجهة نظر حركة فرنسا الأبية، فإن الاتحاد الأوروبي ليس من أولويات السياسات الخارجية والديبلوماسية الفرنسية. الخروج من الاتحاد الأوروبي صعب، لكن الأولويات ليست الاتحاد الأوروبي. لماذا؟ لأننا نرى، أولاً، يجب على الديبلوماسية الفرنسية الجديدة أن تكون غير منحازة. غير منحازة لمَنْ؟. للولايات المتحدة الأميركية، لحلف شمال الأطلسي/ "ناتو". غير منحازة للألمان والاتحاد الأوروبي. الديبلوماسية في فرنسا الجديدة يجب أن تكثر الحوارات مع دول جنوب العالم، مع أميركا اللاتينية والصين والهند. نحن نقول أن فرنسا تغيرت ولكن العالم تغير أيضاً.

اليوم، هناك البريكس، القوة العظمى الصينية، الهند، البرازيل ذات الاقتصاد الكبير. أصلاً، نحن في فرنسا الجديدة، لدينا اليوم، ارتباطات مباشرة مع بعض دول الجنوب العالمية. لأن وجود المهاجرين من إفريقيا عندنا، من المغرب، من تونس، من الجزائر، منحنا علاقات مع دول المغرب العربي بأكثر مما لدينا مع بولونيا أو هنغاريا، مثلاً. سوسيولوجياً هذا صحيح، بالمقارنة الحسابية. إذا سالنا كم عدد الهنغاريين المهاجرين أو المقيمين في فرنسا. عدد زهيد. نحن نرى أنه بسبب هذه السوسيولوجيا الفرنسية الجديدة، يجب إقامة حوارات وفتح علاقات جديدة مع دول الجنوب العالمي. فهذه أولوية. ولا تعني هذه الأولوية أننا نريد الخروج من الاتحاد الأوروبي، إنما تعني حل مشكلة أولوية السياسة الديبلوماسية والسياسات الإقتصادية الفرنسية.


تبين المواقف التي تتخذها دولة ما، فرنسا أو الإتحاد الأوروبي أو سواهما، من بعض القضايا في نظام العلاقات الدولية، مقدار تبعيتها أو استقلالها عن الولايات المتحدة الأميركية. لا سيما في الظروف العالمية الجديدة التي تشهد تراجع الهيمنة الغربية على النظام الدولي، وبالضبط تراجع الهيمنة الاميركية. مثلاً، المواقف من القضية الفلسطينية، وبشكل خاص، بعد مبادرة "إسرائيل" إلى شن حرب الإبادة على قطاع غزة وإلى إسقاط "اتفاق أوسلو"، ووضع حد لسلطة الحكم الذاتي في الضفة الغربية. كذلك، المواقف من نتائج ما يسمى "الربيع العربي"، وما أعقبه من دمار واحتلال في ليبيا، سوريا، السودان، حتى في لبنان، والذي لعبت "اسرائيل" دوراً في الكثير من مجرياته. ما رأيكم؟

ـ منذ 7 تشرين الأول/ أوكتوبر 2023، اتخذت حركة فرنسا الأبية موقفاً واضحاً وثابتاً من أجل فلسطين، ضد حرب الإبادة الجماعية التي تشنها "إسرائيل" على قطاع غزة. وهذا الموقف، حمل اليمين المتطرف وجزء من اليسار، على استهدافنا بهجمات كثيرة وخطيرة. مثلاً، اتهامنا بأننا ضد اليهود، "أنتي سيميت". وهذا اتهام غبي، طبعاً. مثلاً، غبريال عمار، صهر ميلانشون زوج ابنته، هو يهودي الديانة، إنما ليس صهيونياً. كذلك، النائبة الفرنسية في البرلمان الأوروبي، ريما حسن، وهي من أصل فلسطيني، وعضو في حركة فرنسا الأبية، تعرضت لهجمات سياسية ومضايقات إعلامية وملاحقة قضائية، حتى الآن. هذه الهجمات ضد الحركة في الصحافة وفي الميديا، يحرص اليمين المتطرف جزء من اليسار على أن تكون يومية وواسعة. طبعاً، السبب هو، بالإضافة إلى موقفنا من القضية الفلسطينية، وموقفنا الثابت ضد العدوان "الإسرائيلي" على لبنان وضد الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. ولكن هناك سبب سياسي داخلي قوي، يتمثل بموقفنا الرافض لـ"الرهاب الإسلامي" / Islamophobia والعداء للإسلام، وكذلك، من قمع الشرطة في الأحياء الشعبية، والممارسات العنصرية ضد المسلمين. وموقفنا واحد من دعم قضية فلسطين إلى نبذ العنصرية في الأحياءالشعبية الفرنسية، وهو موقف شامل لأن القضايا مترابطة. طبعاً، لم تعرف الحياة السياسية في فرنسا، مثل هذا الموقف من العنصرية والكولونيالية. إنه موقف جديد يخالف تاريخ اليسار في فرنسا. فالحزب الاشتراكي كان حزب الكولونيالية. حتى الحزب الشيوعي الفرنسي فإنه اتخذ خلال حرب الجزائر موقفاً يتصف بالغموض. أما نحن فلدينا قرار نهائي وموقف موحد وثابت، بوجوب العمل على إنهاء ملفات الكولونيالية في العالم إلى العنصرية في فرنسا، وهذا هو السبب في هجوم اليمين وبعض اليسار علينا.


ما رؤية فرنسا الأبية إلى حرب أوكرانيا، التي أججت الأزمة الراهنة في فرنسا واوروبا بأجمعها، حتى باتت تؤثر على نتائج الإنتخابات. فازدهار الإتحاد الأوروبي سابقاً، نتج من سعر الغاز الروسي الرخيص، بل سمح لألمانيا بأن تصير القاطرة الإقتصادية للإتحاد. السؤال هو من منظور الجيوبوليتيك، لأننا سمعنا تصريحاً لافتاً للسيد ميلانشون، حذر فيه من مخاطر عسكرة ألمانيا ومن نواياها بشأن الألزاس واللورين؟

ـ تاريخياً، يعتبر تسلح ألمانيا وعسكرتها تحول خطير. ولكن بالنسبة للحرب بين أوكرانيا وروسيا، موقف حركة فرنسا الأبية واضح وهو عدم الإنحياز. والمقصود أن عدم وقوفنا مع روسيا لا يقودنا إلى الوقوف مع أوكرانيا. ولا مع الصين أو روسيا أو الولايات المتحدة الأميركية. نحن لا نؤيد مع قوى الحرب. نعم، هناك تشابه مع موقف الرئيس السابق الجنرال شارل ديغول. نحن الفرنسيون ليس لنا مشكلة ولسنا في حال حرب مع روسيا. ولذلك، يجب أن نقترح التوسط بين روسيا واوكرانيا. أن نلجأ إلى قوة الديبلوماسية وقوة الوساطة. لأن الحرب بين روسيا وأوكرانيا، هي، حسبما نراها، حرب بين الكتلة الدول الغربية وروسيا، ما يثير خطر توسعها وامتدادها إلى اراضي بلادنا والعالم، ونحن نعيش في عصر السلاح النووي. هذا خطر مهول على كل العالم.

هذا الملف هو محل خلاف بين حركة فرنسا الأبية وبين اليسار التقليدي. الحزب الإشتراكي كلهم مع أوكرانيا ضد روسيا. نحن نقول أننا إزاء خطر شديد، نحن، نقارنه مع الحرب العالمية الاولى، إنما في العصر النووي. نسالهم ماذا تريدون؟. تريدون حرباً نووية. عجيب. نحن نعتقد هناك مساحة للنقاش مع روسيا.


سياسة الإنفاق العسكري التي تعتمدها الحكومة في فرنسا وسائر أوروبا، تستنزف الميزانية العامة، كيف ستتم مواجهتها بعد الانتخابات، لا سيما في حال تمكن اليمين الفرنسي من العودة للسلطة مرة اخرى. آخذين بالإعتبار ما ذكرتموه آنفاً، عن وجود فئات اجتماعية مستفيدة من تسارع ديناميك العسكرة وما تحدث من إفقار.

ـ نحن ننادي بأن تكون السياسات الدفاعية الفرنسية مستقلة. ألا توضع شؤوننا الدفاعية بيد الإتحاد الأوروبي. الدفاع الفرنسي يجب أن يكون مستقلاً. وبالطبع، نحن، أولاً، ضد زيادة النفقات الدفاعية في فرنسا وسائر أوروبا. ثانياً، نحن مع إجراء حوار شامل مع الصين وروسيا ومع الولايات المتحدة الأميركية لبحث كل الملفات الدفاعية في العالم. حيث يلزمنا اتفاقات جديدة في مسائل التسلح النووي ومعاهدة الحد من الأسلحة النووية. وانتقال العالم من النظام الدولي الأحادي القطب إلى النظام المتعدد الأقطاب، يعزز حاجتنا إلى الدفاع الوطني المستقل عن الإتحاد الأوروبي، عن ألمانيا، والإطار الغربي بشكل عام. بالتوازي، يلزمنا إجراء حوارات مع الدول الوازنة بشأن السلاح النووي، وكذلك، الحوار على قطاع الذكاء الصناعي. وقد أطلقنا مبادرة لعقد حوارات علمية حول تحديات الذكاء الصناعي هو أمر عظيم الأهمية. من وقت قريب، ميلانشون كان في السفارة الصينية في باريس، وقد حكى مع السفير الصيني حول هذا الموضوع. لدينا علاقات جيدة مع الصين، ونحن نناقش في جو إيجابي، بعض المقترحات حول القضايا الدفاعية والنووية والذكاء الصناعي التعاون البيئي لأن أحوال البيئة تشير إلى أننا في أزمة حضارية كبيرة. يجب أن نخرج من الإطار العالمي الغربي ونتوجه إلى دول الجنوب العالمي للحوار معها. الصين، البرازيل، جنوب إفريقيا، الهند الخ. هذا صعب، ولكن فرنسا هي القوة الخامسة في العالم. فإذا كان تشكلت السلطة الفرنسية من رئاسة وحكومة يسارية، فإن ذلك، سيولد ديناميك يمكن أن يغير ميزان القوى في أوروبا.

شكرا جزيلاً.


أجرى المقابلة علي نصار

إعداد المقابلة للنشر : محرر الحقول

مركز الحقول للدراسات والنشر

‏الجمعة‏، 26‏ جمادى الأولى‏، 1448 الموافق ‏06‏ تشرين الثاني‏، 2026


التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقاً

يرجى إدخال الاسم
يرجى كتابة تعليق