2026-09-28
Alhoukoul
عُبادة كسر :

عُبادة كسر : "وظيفة المنظومة السياسية والإعلامية استكمال أهداف الحرب العسكرية على المقاومة من الداخل"

الهجمة على المقاومة لم تعد عسكرية فحسب، وإنما أصبحت حرباً على الوعي والهوية والبيئة الحاضنة، ما يحتم أن تنطلق مواجهتها من المجتمع بقدر ما تنطلق من القوى السياسية

27-09-2026

بدأت الحرب الإسرائيلية على لبنان قبل 1070 يوماً. لقد امتدت أيام هذه الحرب الهجينة المزمنة وما زالت، مدة لم يعرف لبنان ولا سائر حروب الصراع العربي ـ الصهيوني لها مثيلاً. ولذلك، تأتي دروس وخبرات الميدان الإجتماعي ـ السياسي متعدية ما سبق، خصوصاً تأثير قانون العنف التراكمي للحروب الرأسمالية. وقد التقينا بالدكتورة عبادة كسر، الأستاذة الجامعية، والباحثة العربية اللبنانية، وأجرينا معها حواراً عن بعض هذه المتغيرات، وكيفية تطوير سبل المواجهة مع العدو.

   

بما تتميز أهداف العدوان الإسرائيلي على لبنان من منظور علم الإجتماع وكيف نتصدى له؟

ـ قبل الحديث عن كيفية مواجهة الهجمة، لا بد من التوقف عند التشخيص الدقيق لطبيعتها وسياقها. فالهجمة التي تتعرض لها بيئة المقاومة اليوم لا يمكن فهمها بمعزل عن الظروف البنيوية التي نشأت فيها، والمتمثلة في الاحتلال، والإبادة، والتهجير، وما ترتب عليها من تهديدات وجودية واعتداءات مستمرة حتى اللحظة. فالمقاومة، من منظور علم الاجتماع السياسي، ليست مجرد تشكيل عسكري، بل هي ظاهرة اجتماعية وسياسية وثقافية تشكلت داخل بيئة حاضنة أفرزتها الشروط التاريخية، وأعادت هذه البيئة إنتاجها باعتبارها خيارًا جماعيًا للدفاع والتحرير.

من هنا، فإن استهداف المقاومة لا يقتصر على استهداف بنيتها التنظيمية، بل يمتد إلى استهداف مجتمعها الحاضن، لأن إضعاف الحامل الاجتماعي يُعد، في استراتيجيات الصراع، مدخلًا لإضعاف الفعل المقاوم نفسه. كما أن ما تعرضت له بيئة المقاومة من استهداف لا يمكن فصله عن استهداف المقاومة ذاتها، سواء من خلال الضغوط المباشرة أو من خلال تحميل هذه البيئة كلفة خيارها الوطني في مقاومة الاحتلال. ولذلك، تتداخل "المحاكمة" السياسية المعادية للمقاومة مع نوع من "المحاكمة" الشعبية لبيئتها، بحيث لا يُنظر إليها بوصفها مجتمعًا مدنيًا تعرض لنتائج الحرب والاحتلال، وإنما بوصفها مسؤولة عن خيار المقاومة ذاته. وبذلك تتحول البيئة الحاضنة إلى موضوع للاستنزاف المادي والرمزي، في محاولة لإحداث قطيعة بينها وبين المقاومة وإعادة تشكيل مواقفها وسلوكها السياسي والاجتماعي.


ولكن ماذا عن القوى المحلية التي تشارك في هذا الإستنزاف؟

ـ أجل، إن هذا الاستهداف الخارجي لا يعمل بمعزل عن التفاعلات الداخلية. فالحرب من طرفنا ومن طرف العدو الإسرائيلي، لا تُخاض بالسلاح وحسب، بل تُخاض أيضًا داخل المجتمع من خلال إنتاج صور ذهنية وتصنيفات اجتماعية تعيد تعريف الجماعات والهويات. ففي مقابل موجات واسعة من التضامن والاحتضان الوطني، لدور المقاومة ولجموع المواطنين النازحين من الجنوب وبعلبك ـ الهرمل والبقاع الغربي والضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، ظهرت أيضاً مواقف تراوحت بين تحميل البيئة الإجتماعية ـ السياسية الحاضنة للمقاومة مسؤولية ما جرى، وصولاً في بعض الحالات إلى ممارسات وخطابات وصمية وتمييزية. ومن منظور علم الاجتماع، فإن هذه الظاهرة لا تُقرأ بوصفها مجرد مواقف فردية، بل باعتبارها عملية اجتماعية لإنتاج "الآخر" (Othering)، حيث تُختزل جماعة اجتماعية كاملة في هوية سياسية واحدة، ثم تُحمَّل بصورة جماعية تبعات الصراع بأكملها، ومن ضمنه الحرب.

في سياق هذه "العملية" يحدث هنا يسمى بـ"الوصم الاجتماعي" وكذلك "الوصم المكاني". حيث لا يقتصر الحكم على الأفراد، بل يشمل كل "الحي" أو "المنطقة". وبدلاً من الجغرافيا الوطنية، تُحَوَّل الجغرافيا الجهوية إلى هوية، والهوية إلى حكم أخلاقي وسياسي. وبهذا تنتقل "المحاكمة" المعادية التي أشرنا إليها في السؤال السابق، من تقييم الفعل السياسي إلى وصم جماعة اجتماعية كاملة، بما يفضي إلى أشكال من الإقصاء أو النبذ أو التمييز في الخطاب والممارسة.


من هي القوى النافذة في هذه العملية الإجتماعية ـ السياسية؟

ـ لقد أسهم الانقسام السياسي الحاد على المستوى الداخلي اللبناني، والتأطير المتباين للأولويات الوطنية، ولا سيما في ما يتعلق بتحديد التهديدات الوجودية، وتعريف العدو المشترك، والموقف من القوى الدولية والإقليمية، في إنتاج اصطفافات سياسية حادة. وقد تمثلت هذه الاصطفافات، على نحو بارز، في قوى اليمين اللبناني، كحزب الكتائب والقوات اللبنانية، إلى جانب بعض الجماعات السياسية التي تتمسك بالولاء للمشروع الأميركي، والتي تبنت خطاباً معادياً للمقاومة، مشبعاً بالطائفية والعنصرية والتحريض، ولم يقتصر على معارضة خيار المقاومة سياسياً، بل امتد إلى استهداف بيئة المقاومة الحاضنة وشيطنتها وتحميلها مسؤولية ما تتعرض له البلاد من عدوان إسرائيلي.

وهذا الإصطفاف اليميني، ترافق مع ممارسة السلطة اللبنانية، التي اتخذت بدورها موقفًا معاديًا للمقاومة، ولخيار الشعب في المقاومة، وهو الخيار الذي يكفله الدستور اللبناني، كما تقره قواعد القانون الدولي والقانون اللبناني. وقد تجسد هذا المسار في الانخراط في خيار الاستسلام، والسير في مركب تبييض جرائم العدو الإسرائيلي من خلال التفاوض المباشر معه، وتوقيع "اتفاق الإطار"، بما عكس تحولاً سياسياً خطيراً يمكن أن يهدد هوية لبنان.


كيف تتشكل مساهمة الإعلام اليميني وسط هذا الإصطفاف وفي هذه "المحاكمة" المعادية؟

ـ لم يكن هذا المسار السياسي منفصلًا عن الفضاء الإعلامي، بل واكبه ضخ إعلامي كثيف عبر مختلف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وعبر منصات التواصل الاجتماعي، عمل على الترويج لهذا الخطاب، وإعادة إنتاجه بصورة مستمرة. وقد ركز هذا الخطاب على تحميل المقاومة مسؤولية الدمار والعدوان، متجاهلًا حقيقة الاحتلال والاعتداء الإسرائيلي، ومارس بحق بيئة المقاومة أشكالًا متعددة من الوصم الاجتماعي، والنبذ، والتحريض، والمحاكمة السياسية، بل تجاوز ذلك في بعض الأحيان إلى بث أخبار مفبركة ومعلومات مضللة استهدفت المقاومة وبيئتها بصورة مباشرة.

ومن ثم، فإن هذه المنظومة السياسية والإعلامية لم تكن مجرد تعبير عن اختلاف في الرأي أو ممارسة لحرية التعبير، بل أدت وظيفة سياسية واجتماعية بالغة الخطورة، تمثلت في استكمال أهداف الحرب العسكرية على المقاومة من الداخل، عبر محاصرة بيئتها الحاضنة، وشيطنتها، وعزلها اجتماعيًا وسياسيًا، وإضعاف التضامن الوطني معها. وبهذا المعنى، تحولت الهجمة الداخلية إلى امتداد وظيفي للهجمة الخارجية، بحيث لم تعد الحرب تُخاض بالسلاح وحده، وإنما أيضًا بالخطاب، والإعلام، وإنتاج الصور النمطية، وإعادة تشكيل الوعي العام، بما يخدم هدفًا واحدًا هو إضعاف البيئة الحاضنة للمقاومة باعتبارها أحد أهم مصادر قوتها واستمرارها.


كيف ترون إلى أساليب المواجهة، الآن ...

ـ الهجمة الإسرائيلية ـ الأميركية على المقاومة لم تعد عسكرية فحسب، وإنما أصبحت حرباً على الوعي والهوية والبيئة الحاضنة، ما يحتم أن تكون مواجهتها شاملة، وأن تنطلق من المجتمع بقدر ما تنطلق من القوى السياسية. ويمكن تلخيص أبرز مسارات المواجهة في الآتي:

أولًا: تعزيز الوعي المعرفي بطبيعة المشروع الصهيوني، بوصفه مشروعًا استعمارياً استيطانياً ابادياً ارتبط تاريخياً بالمشروع الاستعماري الغربي، بما يقتضي إعادة إنتاج خطاب معرفي يستند إلى التاريخ والقانون الدولي والعلوم الاجتماعية، ويحصّن الوعي العام من محاولات إعادة تعريف الصراع أو تجريده من سياقه الاستعماري.

ثانيًا: دعم مبادرات التوثيق العلمي والقانوني لجرائم الاحتلال الإسرائيلي، وتوظيف مخرجاتها في الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، بما يسهم في كسر الاحتكار السردي، وإحداث ثغرة في جدار الدعاية الصهيونية التي تعمل على شيطنة المقاومة وبيئتها، ويفتح المجال أمام استنهاض الرأي العام على أساس الوقائع والحقائق الموثقة.

ثالثًا: تعزيز المبادرات الحقوقية والقانونية الدولية التي تعمل على ملاحقة قادة الاحتلال الإسرائيلي ومحاسبتهم على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بما ينقل المواجهة من موقع الدفاع إلى موقع المساءلة القانونية، ويؤكد أن الأصل هو محاسبة المعتدي لا معاقبة الضحية.

رابعاً: إطلاق مبادرات حوارية وطنية تعيد النقاش إلى جوهر القضية، بوصف المقاومة حقاً وطنياً مشروعاً كفلته المواثيق الدولية والدستور اللبناني، وليس مجرد مشروع سياسي لفريق أو حزب بعينه. فالمقاومة، في جوهرها، تعبير عن حق الشعوب في الدفاع عن أرضها وسيادتها.

خامساً: انشاء ائتلافات وطنية متخصصة تضم محامين وإعلاميين وأكاديميين وباحثين ومؤسسات مجتمع مدني، تتولى إنتاج المعرفة، ومواجهة التضليل الإعلامي، وتوثيق الجرائم، والدفاع القانوني، وصياغة خطاب وطني جامع قادر على التأثير في الرأي العام محلياً ودولياً.

سادساً: الاستثمار في الصمود المجتمعي باعتباره خط الدفاع الأول عن المجتمع والدولة. فالصمود لا يقتصر على إعادة الإعمار أو تقديم المساعدات، بل يشمل الحفاظ على التماسك الاجتماعي، وتعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ ثقافة التضامن، ومنع الحرب من تحقيق أهدافها في تفكيك المجتمع وإضعاف روابطه الداخلية.

سابعاً: العمل على مواجهة المسارات السياسية التي تُفضي إلى تكريس نتائج العدوان، وفي مقدمتها السعي إلى إسقاط اتفاق الإطار، انطلاقًا من اعتباره، وفق هذا التصور، مساساً بالهوية الوطنية اللبنانية، ومخالفةً للدستور، ومنحاً للاحتلال الإسرائيلي شرعية سياسية ، ومكافأةً له على جرائمه بدل العمل على ملاحقته ومحاسبته وفق قواعد القانون الدولي.


الدكتورة عُبادة كسر، أستاذة جامعية، وباحثة عربية من لبنان

مركز الحقول للدراسات والنشر

‏السبت‏، 14‏ ربيع الثاني‏، 1448 الموافق ‏26‏ أيلول‏، 2026


التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقاً

يرجى إدخال الاسم
يرجى كتابة تعليق