روبرت بايب يكتب عن "إيران وقواعد القوة العالمية الجديدة"
محاولة نظرية في : "صناعة الهيمنة الأميركية وتفكيكها"
محاولة نظرية في : "صناعة الهيمنة الأميركية وتفكيكها"
كتب روبرت بايب / شيكاغو ـ ترجمة وتحرير الحقول : تابع مشاهدو التلفزيون حول العالم، ليلة 17 كانون الثاني/ يناير 1991، منظراً لم يسبق لهم أن رأوه. ففي ظل سماء حالكة السواد أضاءتها نيران المضادات الجوية، انهالت القنابل الأميركية الموجَّهة بدقة على النوافذ وفتحات التهوية ومخابئ القيادة في بغداد. وبثَّت شبكة CNN وقائع حرب الخليج على الهواء مباشرة. بالنسبة لملايين الناس، كانت تلك الصور وكأنها تنذر بقدوم عهد جديد.
لفهم أهمية تلك الصور، لا بد من استذكار مدى التهديد الذي بدا عليه العراق قبل اندلاع الحرب. كان الدكتاتور العراقي صدام حسين يقود ما يقارب مليون جندي مسلح. وقد صمد جيشه ثماني سنوات في حرب ضارية مع إيران، وكان يمتلك أحد أكبر فرق الدبابات في العالم. لقد أثار غزو العراق للكويت مخاوف من أن يوجّه صدام قواته نحو السعودية، عاجلاً، ما قد يجعل بلاده قوة نفطية مهيمنة في الخليج العربي، ويضع ربع إمدادات النفط العالمية تحت سيطرته المباشرة.
لم يتوقَّع سوى قلّة من الأميركيين نصرًا سهلاً. ولا تزال هزيمة حرب فيتنام تلقي بظلالها الثقيلة. قال صدام حسين لسفير الولايات المتحدة في الكويت قبل أسبوع من غزوه لها : "مجتمعكم لا يقبل عشرة آلاف قتيل". تخوّف العديد من المحللين من صحة كلامه، ولم يُجز مجلس الشيوخ استخدام القوة إلا بأغلبية ضئيلة. استعدَّت وزارة الحرب الأميركية / البنتاغون لخسائر فادحة، وأرسل إلى المنطقة آلاف الأكياس لتوضيب الجثث. لم يكن المتوقع حرباً عالمية ثانية أخرى، بل حرب فيتنام أخرى.
ما تلى ذلك صدم الجميع تقريباً. فبعد خمسة أسابيع من الغارات الجوية الأميركية، حررت قوات التحالف البرية الكويت في غضون مئة ساعة تقريباً. لقد انهار الجيش العراقي. هُزم أو أُسر أو أُجبر أكثر من ثلاثمئة ألف جندي عراقي في الكويت على الفرار. بلغ عدد القتلى الأميركيين في المعارك 147 قتيلاً، وهو رقم منخفض بشكل مذهل بالنظر إلى المخاوف التي سادت قبل الحرب. دولة العراق التي بدت، قبل أشهر قليلة، عصية على القوة الأميركية، سُحقت بسهولة مذهلة.
تجاوزت أهمية الانتصار الأميركي ساحة المعركة، مؤكدةً على المكانة الاستثنائية للولايات المتحدة الأميركية. فمع تفكك الاتحاد السوفياتي السابق، لم تعد تواجه واشنطن خصماً رئيسياً، وتبوأت مركز الصدارة في الشبكات المالية والتكنولوجية والتحالفات العالمية. كما تفاخرت بقدرات عسكرية متقدمة لا تضاهيها أي قوة أخرى. لقد أصبحت أميركا ظاهرةً فريدةً في التاريخ الحديث: دولة واحدة بلا منافس. حوّلت عملية "عاصفة الصحراء" المقاييس المجرّدة للقوة الأميركية إلى واقع ملموس. وباتت الحكومات والمستثمرون والمواطنون العاديون في جميع أنحاء العالم يمتلكون صورةً مشتركةً لما تعنيه الهيمنة العسكرية الأميركية عملياً.
تتلاشى معظم الحروب في غياهب التاريخ. وقليل منها يقسم التاريخ إلى ما قبل وما بعد. بالنسبة لعالم ما بعد "الحرب الباردة"، كانت حرب الخليج إحدى تلك اللحظات الفارقة. أسفر الصراع عن تحرير الكويت، ثم دشّن العصر الذي تلاه، والذي يُشار إليه عادةً بعصر الأحادية القطبية الأميركية، حيث دعمت القوة العسكرية الأميركية التي لا تُنازع، العولمة والازدهار المتنامي والاستقرار النسبي. لكن ذلك العصر قد انتهى الآن. لم تعد الولايات المتحدة تتمتع بالتفوّق العسكري الذي كانت تتمتع به عام 1991. فمن نتائج العولمة، أن الأنظمة اللازمة لشنّ حروب دقيقة لم تبق حكراً على حفنة من القوى العظمى، بل أصبحت متاحة لمجموعة واسعة من الجهات الفاعلة القادرة الآن على مواجهة دول أقوى بكثير.
في الواقع، تُجسّد الحرب الأميركية على إيران هذا التحوّل. فبينما أظهرت حرب الخليج هيمنة أميركية، تكشف الاشتباكات الحالية حول مضيق هرمز عن محدودية قدراتها. يلوح في الأفق عهد جديد انقلبت فيه مفاهيم ما بعد "الحرب الباردة" رأساً على عقب. لم تعد الولايات المتحدة قادرة على إخضاع الآخرين لإرادتها باستخدام القوة بتكلفة منخفضة. فبدلاً من ضمان الاستقرار والقدرة على التنبؤ، أصبحت القوة الأميركية مصدرًا للتقلبات. لقد تعلّمت القوى الأضعف فضائل التحدي والاضطراب، وهي تمتلك الأدوات اللازمة لفرض تكاليف باهظة على الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها. سيشهد العصر القادم أزمات متكرّرة، وتكاليف باهظة لحماية التجارة العالمية، وتنافسًا محتدمًا على نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم. لقد تلاشت قواعد القوة التي حكمت حقبة ما بعد "الحرب الباردة"، وينتظرنا نظام دولي أكثر خطورة.
آمال كبيرة
لا تُفضِي الانتصارات العسكرية الكبرى عادةً إلى أنظمة دولية جديدة. قد تنتهي الحروب بتغيير الحدود، لكنها غالبًا ما تُبقي على البنية العامة للسياسة العالمية على حالها. إلا أنّ حرب الخليج عام 1991 كانت مختلفة، إذ غيّرت توقّعات العالم. الفجوة الهائلة بين ما توّقعه المحللون قبل الحرب، وبين كيفية تحقيق الولايات المتحدة نصرًا حاسمًا وسريعًا، أقنعت الحكومات والأسواق والمجتمعات بظهور واقع جديد.
استند هذا الواقع إلى أربع افتراضات: قدرة الولايات المتحدة على فرض نتائج عسكرية بسهولة. امتلاك واشنطن تفوقًا لا يُضاهى في التصعيد، أي القدرة على دحر التهديدات الكبرى بسرعة وبتكلفة زهيدة. ضمان القوة الأميركية تدفُّق البضائع عبر شرايين التجارة العالمية. وعجز مقاومة القوة الأميركية في نهاية المطاف.
عزّزت هذه الافتراضات بعضها بعضًا. ولأن التفوق العسكري الأميركي بدا ساحقًا، خفّض الحلفاء أعباءهم الدفاعية، وعمّقوا اعتمادهم على واشنطن. ولأن القوة الأميركية ثبّطت الأطراف الأخرى عن المخاطرة بالمواجهة والتصعيد، قلّل المستثمرون من شأن المخاطر الجيوبوليتيكية. ونتيجة ما بدا من أمان التجارة البحرية، وسّعت الشركات سلاسل إمدادها عبر القارات وقلّصت مخزوناتها في الداخل. ولأن القوة الأميركية بدت لا تُضاهى ولا تُقهر، سعت معظم الدول إلى التوافق مع الولايات المتحدة بدلاً من مقاومتها.
لم يرتكز النظام العالمي ما بعد "الحرب الباردة" على قدرة واشنطن على الإكراه بقدر ما ارتكز على قوة صدقيتها. لم تكن الدول بحاجة إلى اختبار القوة العسكرية الأميركية بشكل مباشر، بل يكفيها الإيمان بها. هزمت الولايات المتحدة العراق بسرعة وبتكلفة زهيدة لدرجة أن المقاومة المستقبلية بدت غير منطقية. لم يجرؤ على تجاهل ما كان واضحًا للجميع سوى حفنة من "الدول المارقة" والجهات الفاعلة، مثل كوريا الشمالية وإيران وقراصنة الصومال. في عام 1990، أطلق سلاح الجو الأميركي، بطموح، على عقيدته الجديدة اسم "القوة العالمية، والنفوذ العالمي". وجعلت حرب الخليج عام 1991 هذه العقيدة حقيقة لا يمكن تجاهلها.
كان للهيمنة الأميركية التي بدت وكأنها لا تُقهر، والتي بشّرت بها حرب الخليج، عواقب فورية في أوروبا. فخلال "الحرب الباردة"، حافظت حكومات أوروبا الغربية على جيوش ضخمة لأن التهديد السوفيتي كان يُلزمها بذلك. وبعد عام 1991، خفّضت الدول الأوروبية ميزانيات الدفاع بشكل كبير، بينما زادت من اندماج اقتصاداتها. ووقّعت معاهدة ماستريخت عام 1992، مُرَسِّخةً بذلك الأساس لعملة موحّدة وتلاشي الحدود بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وتنافست الدول الشيوعية السابقة على الانضمام إلى المؤسسات الغربية. وتوسّع حلف شمال الأطلسي / ناتو نحو الشرق. كان يضم 16 عضواً عام 1991، ثم توسع إلى عدد كبير من الدول التي كانت في "حلف وارسو". أما الدول التي كانت تخشى "الناتو" قبل سنوات قليلة، فقد سعت الآن، إلى الحماية داخل النظام الذي تقوده الولايات المتحدة. وبحلول نهاية العقد، لم تعد الهيمنة الأميركية موضع نقاش، بل أصبحت حقيقة واقعة.
حتى خصوم واشنطن المستقبليون استوعبوا دروس بغداد. مع اندلاع حرب الخليج، انكبّ الضباط الصينيون على دراستها باهتمام بالغ، إذ كان الجيش العراقي، في جوانب عديدة، يُشبه جيش التحرير الشعبي. وخلصت بكين إلى أنّ الجيوش الضخمة في العصر الصناعي كانت عُرضةً لخطر الحرب الدقيقة. وعلى مدى العقود التالية، خفّضت الصين أعداد قواتها بشكل كبير من نحو 3.5 مليون جندي عام 1990 إلى مليوني جندي بعد عقد من الزمن، وحدّثت أنظمة القيادة، ووسّعت قواتها الصاروخية، واستثمرت بكثافة في تكنولوجيا المعلومات. ومن المفارقات أنّ العديد من القدرات التي تُشكّل اليوم تحدّيًا للهيمنة العسكرية الأميركية في شرق آسيا، نشأت من جهود الصين لفهم أسباب الإنهيار السريع للجيش العراقي عام 1991.
وقد أثّرت الثقة بالقوة الأميركية على القرارات الاقتصادية وعلى القرارات العسكرية ايضاً، ما شجّع على توسّع الترابط الاقتصادي إلى مدى لم يشهد التاريخ الحديث له مثيلاً. لقد عبرت البضائع ورؤوس الأموال والطاقة والمعلومات الحدود بسرعة غير مسبوقة. وارتفعت نسبة التجارة من الناتج العالمي من نحو 38% عام 1990 إلى حوالي 60% بعد عقدين من الزمن. وتبنّى المصنّعون نظام الإنتاج في الوقت الفعلي. كما استطالت سلاسل التوريد عبر القارات لأن الشركات افترضت بشكل متزايد أن الحروب بين القوى العظمى غير مرجّحة، وأن أي اضطرابات مستقبلية في التجارة البحرية ستكون مؤقّتة.
وخلف تفاؤل تلك الحقبة، كان هناك افتراض أعمق: أن الأسس الاستراتيجية للنظام الدولي أصبحت راسخة بشكل استثنائي. وكان ذلك يستند بشكل مباشر إلى الواقع العملي للهيمنة العسكرية الأميركية. ففي عام 1998، وصفت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك، مادلين أولبرايت، الولايات المتحدة بأنها "الأمة التي لا غنى عنها"، معبّرةً بذلك عن افتراض شائـع مفاده أن الاستقرار الدولي يعتمد في نهاية المطاف على القوة الأميركية.
احتفظ هذا الافتراض بقدر كبير من سلامته حتى خلال حرب غزو العراق عام 2003، التي لم تؤثّر بشكل خطير على الأسواق العالمية. فقد اندلعت الحروب وتفجّرت الأزمات، لكن حالات عدم الاستقرار الخطيرة بدت استثناءً لا قاعدة. وبنى القادة السياسيون والشركات والمواطنون العاديون في جميع أنحاء العالم توقعاتهم على أساس الاعتقاد بأن الاضطرابات الكبرى التي تؤثّر على الأسواق السياسة العالمية سيتم احتواؤها في نهاية المطاف. مثلما كان الحال مع المملكة المتحدة في القرن التاسع عشر بعد انتصار على الفرنسيين والإسبان في "معركة ترافالغار" عام 1805. فقد مارست الولايات المتحدة نفوذًا يتجاوز بكثير القدرة المباشرة لقواتها العسكرية، لأن الآخرين كانوا قد أقروا مسبقًا بأنّ واشنطن لا يمكن تحديها. لم يصبح العالم مسالمًا بعد عام 1991، بل أصبح متوقَّعًا.
بذور زوالها
من المفارقات أنّ نجاح النظام العالمي ما بعد "الحرب الباردة" نفسه كان سببًا في انهياره. فالثورة التكنولوجية التالية في مجال الحرب كانت نتاجًا للتحول الاقتصادي الذي شهده عصر ما بعد "الحرب الباردة".
كل ثورة عسكرية كبرى استندت إلى تغيُّرٍ اقتصاديٍ سابق. فالقوى العظمى لا تنهض لمجرد امتلاكها جيوشاً أو أساطيل متفوقة، بل لأنَّ اقتصاداتها تولِّد الثروة والتكنولوجيا والقدرة الصناعية اللازمة لدعم هذه القوات على المدى الطويل. إن أول ثورة في التكنولوجيا الدقيقة في توجيه المقذوفات والصواريخ والمسيرات ومعالجة المعلومات والإستشعار عن بعد" التي شهدتها بغداد عام 1991، اعتمدت على قدرات علمية ـ تقنية لم تكن متاحة إلا لعدد قليل من الدول المتقدمة، آنذاك. كانت الذخائر الموجَّهة بدقة، والملاحة عبر الأقمار الصناعية، والاتصالات الآمنة، وأجهزة الاستشعار بالأشعة تحت الحمراء، والمعالجات المتقدّمة، كلها تتطلَّب بيئات صناعية لم تكن متوفرة إلا لدى قلة من الدول. كشفت حرب الخليج هذه القدرات للعالم، لكن التقنيات الأساسية ظلّت محصورة داخل الولايات المتحدة وحلفائها المقربين.
على مدى العقود الثلاثة التالية، حوّلت العولمة هذه الأصول العسكرية النادرة إلى منتجات تجارية واسعة الانتشار. وأصبحت صناعة أشباه الموصلات واحدة من أكبر الصناعات وأكثرها انتشارًا جغرافيًا في العالم. تجاوزت إيرادات رقائق المعالجات 790 مليار دولار في العالم عام 2025، وباتت تقترب من تريليون دولار سنوياً، مدفوعةً بشكل رئيسي بالطلب المتزايد على الهواتف الذكية والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. وتُغذي سلاسل التوريد نفسها التي تُنتج المعالجات المتقدمة للأسواق التجارية، صناعة المكونات المستخدمة في الكاميرات وأنظمة الملاحة وأجهزة الحوسبة الطرفية (أجهزة كمبيوتر صغيرة تُعالج البيانات محلياً بدلاً من خوادم سحابية بعيدة).
يحتوي الهاتف الذكي الحديث على قدرة حاسوبية تفوق ما امتلكته العديد من الأنظمة العسكرية خلال حرب الخليج، وكاميرات كانت حكراً على أقمار التجسُّس الصناعية. وقد أتاحت الأسواق المدنية وفورات هائلة في الإنتاج لوحدات القياس بالقصور الذاتي المصغَّرة (أجهزة تتبع الموقع والسرعة والاتجاه)، وأجهزة استقبال نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، وبطاريات الليثيوم، والمستشعرات البصرية، وهي تقنيات كانت في السابق تتطلب سابقا دعماً حكومياً.
وتُجسّد المستشعرات هذا التحوّل بوضوح. فخلال "الحرب الباردة"، تطلَّبت "حرب تكنولوجيا الدقة" أنظمة استطلاع عسكرية باهظة الثمن. أما اليوم، فتُوفّر الأقمار الصناعية التجارية صوراً كانت حكراً على الحكومات. ويتم إنتاج كاميرات عالية الدقة، ومستشعرات حرارية، وأجهزة تحديد المدى بالليزر، ورقائق الملاحة للصناعات المدنية، بما في ذلك الزراعة والمركبات ذاتية القيادة. لقد انهارت الحواجز التي كانت تفصل بين التقنيات العسكرية والمدنية بشكل مطرَد.
لقد ساهم الذكاء الاصطناعي في تسريع هذه العملية بشكل أكبر. إذ توفّر نماذج اللغة الضخمة، وأنظمة الرؤية الحاسوبية، والبرمجيات مفتوحة المصدر، إمكانيات كانت تتطلب سابقًا مؤسسات متخصصة. وقد حوّلت الاستثمارات الخاصة الضخمة البرمجيات المتقدّمة إلى سلعة متاحة عالميًا، حيث تجاوزت عائدات أشباه الموصلات المتعلِّقة بالذكاء الاصطناعي وحدها 200 مليار دولار أميركي في عام 2025. وعلى نطاق أوسع، أصبحت القدرات التي كانت تتطلب في السابق برامج عسكرية بمليارات الدولارات تعتمد الآن على مكونات يتم شراؤها عبر القنوات التجارية العادية. وباتت الطائرات المسيّرة الصغيرة، المُجمّعة من إلكترونيات مُشتراة من السوق التجارية، قابلة على إحداث تأثيرات كانت تُنسب سابقًا إلى أسلحة متطوّرة تُصنّعها الدول فقط.
وتُجسد طائرة شاهد ـ 136 الإيرانية المسيّرة هذا التحوّل. فبدلًا من الاعتماد على تكنولوجيا عسكرية متطورة، باهظة الثمن، فإن إنتاج هذه الطائرة يجري باستخدام رقائق الملاحة، ووحدات القياس بالقصور الذاتي، وأجهزة استقبال الأقمار الصناعية، ووحدات الاتصالات، والمعالجات، والبرمجيات المتوفّرة تجاريًا ـ والتي صُمّم الكثير منها في الأصل للإلكترونيات المدنية ـ مع هيكل ومحرك بسيطين. والنتيجة هي سلاح دقيق مُجمّع إلى حد كبير من مكونات أصبحت ممكنة بفضل سلاسل التوريد التجارية العالمية نفسها التي تُشغّل الاقتصاد الرقمي. ليس المقصود هنا أن طائرة شاهد متطورة تقنيًا، بل المقصود أنها حصيلة تلك المتغيرات.
إن الاقتصاد العالمي نفسه الذي أفاد أصحاب الكفاءة من الدول المتطورة منح الدول والقوى الضعيفة سهولة الوصول إلى التكنولوجيا الجديدة. فقد تنافست الشركات من خلال خفض التكاليف، وتوسيع الإنتاج، وتوزيع التكنولوجيا عبر الأسواق الدولية. وكل تحسين جعل الهواتف الذكية أرخص، والبطاريات أكثر كفاءة، والمعالجات أقوى، زاد في الوقت نفسه من القدرات المتاحة للدول الأضعف، وحتى للجهات الفاعلة غير الحكومية.
إن العولمة نفسها التي ولّدت ازدهارًا غير مسبوق، قد خلقت أيضًا أنظمة مترابطة، حيث تُحدث الاضطرابات المحلية فيها عواقب عالمية. فالأنظمة عالية الكفاءة غالبًا ما تكون هشّة: إذ يُحدث اضطراب في منطقة ما تداعيات تمتد لآلاف الأميال. فعلى سبيل المثال، أثر نقص أشباه الموصلات خلال جائحة كوفيد ـ 19 على إنتاج السيارات في قارات متعدّدة. وفي عامي 2024 ـ 2025، شنّ الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن هجمات عديدة على سفن الشحن في البحر الأحمر، الذي يؤدي إلى قناة السويس ويربط أوروبا بآسيا، وذلك في إطار مواجهتهم الأوسع مع "إسرائيل". لم يتمكّن المسلّحون اليمنيون من هزيمة خصومهم الأقوى بكثير في المعارك التقليدية، لكنهم استطاعوا تسخير حرب التكنولوجيا الدقيقة لإلحاق خسائر فادحة بالاقتصاد العالمي (إقرأ : الغربي). إذ اضطرّت شركات الشحن الكبرى إلى تحويل مسار سفنها حول رأس الجاء الصالح بسبب التكاليف الباهظة المصاحبة لعدم اليقين، بما في ذلك إطالة أوقات العبور وارتفاع أقساط التأمين.
أسهمت العولمة في توسيع نطاق استخدام أدوات الحرب الدقيقة لتتجاوز احتكار الدول المتقدّمة. وبحلول منتصف العقد الحالي، بدأ انتشار القدرات التكنولوجية الدقيقة في عكس هذه العلاقة، وجعل القوى العظمى عرضة لهجمات خصوم أضعف بكثير. وبهذا المعنى، انطوى نجاح النظام العالمي ما بعد "الحرب الباردة" على تناقض غير متوقّع: فالقوى الاقتصادية التي عزّزت هذا النظام أنتجت تدريجيًا العديد من التقنيات التي ستجعل استدامته مكلفة بشكل متزايد.
الأمور تنهار
بدت أسلحة تكنولوجيا الدقة وكأنّها حلّ لإحدى أقدم المشكلات في التاريخ العسكري. لم تعد القوى العظمى بحاجة إلى غزو الأراضي لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. بات بالإمكان استبدال القوة البرية بالقوة الجوية، والقوة البشرية العسكرية بالقوة التكنولوجية العسكرية. كان الدرس الذي استخلصه العديد من المراقبين من عام 1991 واضحًا: إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية قد استطاعت تحديد الأهداف عن بعد، فبإمكانها، إذن، قمع المقاومة دون احتلال مساحات شاسعة من الأراضي.
كشفت الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، الآن، عن حدود هذا الافتراض. إذ كشفت عن بزوغ الثورة الثانية في تكنولوجيا الحرب الدقيقة. فإذا كانت الصورة الأبرز لشهر كانون الثاني/يناير 1991 هي قنبلة موجّهة بالليزر تدخل ملجأ في بغداد، فإن الصورة الأبرز للحرب على إيران هي صورة طائرة مسيرة صغيرة أحادية الاتجاه، مُجمّعة من إلكترونيات تجارية، تُطلقها فرقة جنود متنقلين من مكان ما على طول الساحل الجنوبي لإيران، مُحلّقةً نحو أهداف في دول الخليج العربي.
أدى انتشار التكنولوجيا الجديدة إلى توفير طائرات مسيرة رخيصة الثمن، وصواريخ كروز، وأجهزة استشعار تجارية، ووحدات إطلاق متنقلة. لم يكن هدف إيران قط إنزال هزيمة ساحقة بالقوة البحرية الأميركية في معارك السفن التقليدية، بل كان هدفها إقناع القوى التجارية الكبرى بأنّ القوة البحرية الأميركية لم تعد قادرة على ضمان أمنها المطلق. وقد أثبتت ذلك كفاية.
ففي الأسابيع التي تلت اندلاع الحرب، استمرّت ناقلات النفط في الإبحار عبر الخليج، لكن أقساط التأمين ارتفعت بشكل حاد وانخفضت حركة الملاحة مع انتشار حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة. وخلال الأزمات السابقة في كل من مضيق هرمز والبحر الأحمر، تضاعفت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب أضعاف مستوياتها المعتادة، وقامت شركات الشحن بتغيير مسار سفنها آلاف الأميال حول أفريقيا بدلاً من قبول المخاطر المتزايدة. إن احتياجات الاقتصادات الحديثة لا تقتصر على النفط فحسب، بل تتطلب وصوله في الوقت المحدّد وبكميات كبيرة وفي ظل ظروف يمكن التنبؤ بها. ولكن بمجرد زوال الثقة، يمكن أن يبقى الممر المائي مفتوحاً فعلياً، حتى وإن أصبح غير موثوق به استراتيجياً.
جاء رد الولايات المتحدة على محاولة إيران إغلاق مضيق هرمز وفقًا للمنطق التقليدي للقوى العظمى. فقد شنّ الجيش الأميركي بالتشارك مع الجيش الإسرائيلي، غارات جوية وصاروخية على مواقع الرادار وبطاريات الصواريخ ومنشآت الطائرات المسيرة ومناطق الإطلاق في جنوب إيران، ودمّر آلاف الأهداف. لكن سرعان ما ظهرت أنظمة بديلة. إذ تمكنت إيران من نشر منصات إطلاقها المتنقلة وإخفائها وإعادة بنائها بوتيرة أسرع من تدمير تلك المنصات. وما ظهر في البداية، أنه مجرد مشكلة بحرية تحول تدريجياً إلى مشكلة إقليمية. فالولايات المتحدة الأميركية التي نجحت بتدمير عدد غير قليل من منصات الإطلاق، لم تستطع السيطرة على آلاف الأميال المربعة من الأراضي. وقد جسّد إسقاط إيران لمروحية أباتشي أميركية في حزيران/يونيو الماضي، جوهر المأزق الأميركي. إذ نجحت إيران بطائرة شاهد المسيرة التي تكلف الواحدة منها حوالي 20 ألف دولار، بتدمير أصل عسكري أميركي متطور بقيمة 35 مليون دولار. ما يعني أنه حتى أقوى جيش في العالم، كالجيش الأميركي، لا يستطيع القضاء على خطر الطائرات المسيرة الرخيصة.
إن استمرار إيران في تحدي الولايات المتحدة لا يمثّل مجرد نجاح تكتيكي. فإيران، على نحو متزايد، تتعامل مع مسارح العمليات المختلفة كجزء من منظومة استراتيجية واحدة. تدعم إيران أنشطة حزب الله في لبنان، والميليشيات الموالية لها في العراق، والحوثيين في اليمن. كما استهدفت قواعد أميركية وبنية تحتية حيوية في دول الخليج العربي المجاورة. والنتيجة هي بروز مجال نفوذ إيراني لا يُبنى بالغزو، بل بالتعطيل المستمر. وتُتيح "ثورة التكنولوجيا الدقيقة الثانية" هذا التعطيل الواسع النطاق والمتواصل.
ليس من المُقدّر لإيران أن تُصبح القوة المهيمنة في الشرق الأوسط. فاقتصادها لا يزال ضعيفًا، وجيشها التقليدي لا يزال أقل كفاءة من جيش الولايات المتحدة و"إسرائيل"، ولا تزال العديد من الحكومات العربية تخشى طهران أكثر مما تثق بها. لكن نجاحها العملياتي يُمكن أن يُولّد فرصًا سياسية. فإذا ما خلصت الحكومات والأسواق والقوى الخارجية بشكل متزايد إلى أنه لا يُمكن اتخاذ أي قرار مصيري في الخليج العربي إلا بمراعاة تفضيلات إيران، فإن النفوذ العسكري الإيراني سيتحول تدريجيًا إلى نفوذ سياسي. وتستجيب أسواق التأمين وتجار الطاقة وشركات الشحن والحكومات الإقليمية ليس فقط للقوة بحد ذاتها، بل أيضًا لتغير التوقعات بشأن مستقبل القوة. فالتوقعات تتغيّر أولًا، ثم تتبعها المؤسسات عادةً.
يبقى من غير المؤكد ما إذا كانت إيران ستحوّل نفوذها العملياتي في نهاية المطاف إلى شكل من أشكال الهيمنة الإقليمية، لا سيما مع عدم وضوح كيفية انتهاء المرحلة الحالية من القتال. إلا أن انتشار تقنيات القتال الدقيق قد غيّر المعادلة. فقد أوحى الانتصار الأميركي السريع والحاسم في حرب الخليج بأن حرب التكنولوجيا الدقيقة تُمكن القوى العظمى من السيطرة على الأراضي المتنازع عليها بتكلفة زهيدة نسبيًا. في المقابل، تُشير الحرب الإيرانية إلى أن انتشار تقنيات القتال الدقيق يُربك القوى العظمى ويجعل السيطرة على المناطق المتنازع عليها أكثر صعوبة.
ساحة المعركة القادمة
ما حدث في مضيق هرمز قد يتكرر على نطاق أوسع في شرق آسيا. إن السيناريو التقليدي لنزاع مفاجئ حول جزيرة تايوان، يتوقع أن تفرض الصين حصاراً على الجزيرة يُعرّضها للإختناق. لكن ثورة التكنولوجيا الدقيقة الثانية تُنبئ عن احتمالٍ أكثر تعقيداً، وهو أن تعمد تايوان إلى استخدام طائراتٍ مُسيّرة، وبطاريات صواريخ متنقلة، وأجهزة استشعار تجارية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتعطيل التجارة البحرية الصينية وثهديدها.
يمر ما يقارب خُمس التجارة البحرية العالمية عبر مضيق تايوان، ما يجعله أحد أهم الممرات المائية اقتصاديًا في العالم. ورغم النجاح الاقتصادي الباهر للصين، فإن ما يقرب من 40% من الناتج المحلي الإجمالي يعتمد على التجارة، ومعظمها يتم عبر البحر. وكما اختارت إيران عسكرة مضيق هرمز، يُمكن لتايوان أن تحذو حذوها.
تخيّل تايوان كمنصة إطلاق ضخمة لا تغرق، تضم آلاف الطائرات المُسيّرة التي يصل مداها إلى 750 ميلاً. تقع الموانئ البحرية الرئيسية في الصين ضمن هذا النطاق، بما في ذلك ميناء شنغهاي، وميناء نينغبو ـ تشوشان، وميناء شنتشن. ولذلك، لا يقتصر الخطر على حركة المرور العابرة لمضيق تايوان فحسب، بل يمكن لتايبيه أن تتخذ إجراءات أكثر صرامة لإلحاق الضرر بخصمها الأكبر، وأن تُهدّد باستمرار المداخل التجارية إلى الموانئ الصينية الرئيسية حتى في غياب حصار رسمي.
قد تُحوّل الصين مسار بعض الشحنات شرق تايوان أو عبر ممرات بحرية أبعد بالقرب من دول أخرى. ولكن كما هو الحال مع تحويل المسار حول رأس الرجاء الصالح خلال أزمة البحر الأحمر، فإن المسألة لا تكمن في إمكانية استمرار التجارة من الأساس، بل في إمكانية استمرارها بشكل متوقّع وبتكاليف مقبولة. ويكمن نفوذ تايوان في موقعها الجغرافي الاستراتيجي على المداخل البحرية إلى قلب الصين الصناعي، وفي قدرة الجزيرة، بفضل ثورة التكنولوجيا الدقيقة الثانية، على جعل هذه المداخل محفوفة بالمخاطر باستمرار.
لن تحتاج تايوان إلى إغراق العديد من السفن لإحداث عواقب وخيمة على جيش التحرير الشعبي الصيني. فبضع هجمات ناجحة بطائرات بدون طيار ـ أو حتى مجرد احتمال وقوع هجمات مستقبلية ـ كفيلة بإشعال سلسلة من الأحداث المألوفة: ارتفاع أسعار التأمين، إعادة شركات النقل التجاري تقييم المخاطر، انخفاض حركة الملاحة. وبذلك، سيتفاقم الاضطراب الاقتصادي في الصين، حتى وإن ظل الدمار المادي محدوداً. ونظرًا لاعتماد العالم على البضائع الصينية، سيكون التأثير على معظم الدول شديداً، وسوف يحدث في غضون أشهر، ما يُهدّد بانكماش الاقتصاد العالمي. من المرجّح أن يشهد الاقتصاد الصيني، الذي يعتمد بشكل كبير على التجارة، أشد صدمة خارجية له، منذ إطلاق بكين الإصلاحات الإقتصادية الهامة في ثمانينيات القرن الماضي. وسيتعيّن على اقتصاد الصين مواجهة انهيار الثقة الذي يعتمد عليه قطاع التجارة الحديثة. كما أن واردات الطاقة، وسلاسل التوريد الصناعية، وقطاعات التصدير، وتمويل الشحن، والاستثمار الأجنبي ستقع تحت ضغوط متزامنة. وقد تدفع نتائج الحرب الأميركية الجارية ضد إيران، بالصين لإدراك حماقة ضرب تايوان؛ إذ قد تكرّر الجزيرة استراتيجية إيران، ما قد يفضي إلى عواقب وخيمة على الصين والعالم.
قواعد القوة الجديدة
قد تتزايد حدة الصراعات المستقبلية حول أهم الممرات الاقتصادية في العالم، بما في ذلك مضيق تايوان، وبحر الصين الجنوبي، ومضيق ملقا، والبحر الأحمر، ومضيق هرمز نفسه. لكن ارتفاعات أسعار التأمين، وتكاليف الشحن الباهظة، وازدواجية سلاسل التوريد، والحاجة إلى الحفاظ على مخزونات أكبر وإلى مخازن استراتيجية، ناهيك عن الضغوط السياسية على الإنتاج المحلي، ستؤدي جميعها إلى رفع تكاليف التجارة الدولية تدريجياً. وسيعود العالم، الذي سطَّحته العولمة، إلى التمزُّق والانقسام. ونتيجة لذلك، تتبلور الآن مجموعة جديدة من الافتراضات والقواعد للنظام العالمي.
لم يعد التفوق العسكري الأميركي يضمن نتائج سياسية سهلة. لا تزال الولايات المتحدة تمتلك قوة تدميرية لا مثيل لها. ومع ذلك، فإن تدمير الأهداف وتحديد النتائج أمران مختلفان. وبقدر ما تستطيع واشنطن معاقبة أعدائها، فإنها تجد صعوبة في إجبارهم على ذلك. كما أن التصعيد لم يعد يصب تلقائيًا في مصلحة واشنطن. تُمكِّن الأسلحة الدقيقة والجغرافيا والشبكات المتفرقة الجهات الأضعف من رفع التكاليف بوتيرة أسرع من قدرة القوى الأقوى على قمعها. تستطيع أميركا التصعيد باستخدام القوة الجوية، بل وحتى القوات البرية، لكنها لم تعد تحتفظ بالسيطرة على التصعيد.
في الوقت نفسه، لم يعد التدخل الأميركي يضمن الاستقرار الاقتصادي في المنطقة المستهدفة. فعلى مدى ثلاثة عقود، افترضت الأسواق أن القوة الأميركية تُسهم في الحد من المخاطر. أما اليوم، فإن التدخلات الأميركية تُؤَجِّج حالة عدم اليقين بالمستقبل. لقد ولدت العولمة ازدهارًا غير مسبوق، لكنها جلبت أيضًا مواطن ضعف لا تستطيع القوة العسكرية وحدها القضاء عليها بسهولة. تُدرك القوى الأضعف الآن أنه من الممكن تحدِّي الولايات المتحدة، وأنَّ المقاومة لم تعد عبثية بشكل واضح. لا تحتاج هذه الجهات إلى هزيمة الولايات المتحدة لإحباطها، بل يكفيها تقويض الثقة، وفرض تكاليف باهظة، وتجاوز توقعات هزيمتها. لم يعد الهدف هو تحقيق نصر تقليدي في ساحة المعركة، بل خلق نفوذ من خلال إحداث اضطراب. لا يعني هذا أن كل دولة أضعف قادرة اليوم على إحباط الولايات المتحدة، بل يعني فقط أنَّ العديد من الدول الأخرى ستكتسب هذه القدرة على الأرجح مع استمرار انتشار تقنيات "ثورة التكنولوجيا الدقيقة الثانية". ولسوف تُحدِّد الجغرافيا والأهداف الاستراتيجية وتوافر أنظمة دقيقة منخفضة التكلفة ملامح هذه البيئة الجيوبوليتيكية الجديدة.
على مدار معظم التاريخ الحديث، حوَّلت الدول الأقوى ثروتها الاقتصادية إلى تفوُّق عسكري، والتفوق العسكري إلى نفوذ سياسي. وبدا أنَّ حقبة ما بعد "الحرب الباردة" قد عزَّزت هذه العلاقة. إلا أنَّ ثورة التكنولوجيا الدقيقة الثانية تدل على نمط جديد من هذه العلاقة. فالنجاح الاقتصادي يُؤدِّي إلى انتشار التقنيات الجديدة واعتمادها على نطاق واسع، ما يُساعد الدول الأضعف ويُمكِّنها من فرض تكاليف أكبر على خصومها الأقوى، بالمقارنة مع ما كانت قادرة عليه في الماضي. إن القوة الجيوبوليتيكة لدولة عظمى، كالولايات المتحدة الأميركية، لا تُقاس بقدرتها على السيطرة على الآخرين بقدر ما تُقاس بثقة الآخرين في الأنظمة التي تُحافظ عليها وتُرسِّخها. وقد يكون مضيق هرمز مجرد بداية. فإذا ظهرت حول تايوان نفس الميكانيزمات التي نراها حول مضيق هرمز، فإن الحقبة القادمة من السياسة الدولية لن تُحدَّد بتوسُّع العولمة، بل بتكاليف حمايتها.
روبرت بايب، Robert A. Pape، هو أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، ومتخصص في شؤون الأمن الدولي، وقد نشرت المقال مجلة "فورين أفيرز"، تحت عنوان: "إيران وقواعد القوة العالمية الجديدة: صناعة الهيمنة الأميركية وتفكيكها"، في يوم الجمعة، 24 تموز، 2026
ترجمة وتحرير مركز الحقول للدراسات والنشر
الثلاثاء، 28 تموز، 2026






















التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقاً